وقال الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان:(إن الإجماع المعتبر هو الإجماع المنضبط، وهو إجماع الصحابة ومن تبعهم من التابعين، لأنهم كانوا محصورين، والكلام المحصور يعلم.
أما بعد أن تفرقوا في البلاد، وكثر العلماء، واتسعت بلاد المسلمين، فالإجماع لا يكون منضبطًا، فمدعي الإجماع بعد ذلك يكون مدعيًا لشيء يستحيل الإحاطة به)، (ولابد أن يكون الإجماع مستندًا إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله؛ لأنه ليس معنى الإجماع أنه يأتي بشيء جديد، وأنه أصل يشرع به، بل لابد أن يكون مستندًا إلى أصل من كتاب الله وسنة رسوله، واستدل على هذا بقوله جل وعلا: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء/115] فسبيل المؤمنين يدخل فيه ما أجمعوا عليه، فهذا أصل يرجع إليه في الإجماع. وهناك نصوص خاصة في كل مسألة يجمع عليها، ولابد أن يكون فيها شيء يعتمد عليه من كتاب الله وسنة رسوله، فإن قيل: ما الفائدة إذًا من الإجماع إذا كان هناك أصل يعتمد عليه الإجماع من الكتاب والسنة؟ فيقال: الفائدة في هذا أنه لا يجوز النزاع بعد ذلك في الفهم الذي قد ينزع به من ينزع به، فإذا حصل إجماع السلف فيجب أن يرفع الخلاف، ولا يكون هناك فهم يخالف هذا الإجماع) إهـ [1]
قال الشيخ ابن عثيمين: (إن أسماء الله وصفاته لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة) و (لا يمكن أن يوجد إجماع من السلف إلا مبنيا على الكتاب والسنة، وحينئذ فالمرجع: هو الكتاب والسنة، لأن الأسماء والصفات العلم بهما من باب العلم بالخبر، ليست أحكاما يدخل فيها القياس حتى نقول: ربما يكون إجماع عن قياس، ولكنها أمور تدرك بالخبر.) (ولكن - أحيانا - لا نطلع على دليل الكتاب والسنة، لكننا نطلع على الإجماع، فنقول: إن الإجماع هنا لا بد أن يكون مستندا إلى الكتاب والسنة.) ?ھ [2]
وقال الشاطبي: (وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي) ?ھ [3]
الثامن: أن الإسم إذا أطلق عليه، جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيُخبر به عنه فعلا ومصدرا؛ نحو: السميع البصير القدير، يطلق عليه منه اسم السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال، من ذلك نحو: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) المجادلة /1، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) المرسلات /23، هذا إن كان الفعل متعديا، فإن كان لازما لم يُخبر عنه به، نحو: الحي، بل يُطلق عليه الإسم والمصدر دون الفعل، فلا يقال حيي. [4]
قال الشيخ ابن عثيمين:(أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد، تضمنت ثلاثة أمور:
1)ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
2)ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
3)ثبوت حكمها ومقتضاها.
مثال ذلك: (السميع) ، يتضمن إثبات السميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى كما قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) المجادلة / 1،
وإن دلت على وصف غير متعد (لازم) تضمنت أمرين:
1)ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
2)ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
مثال ذلك: (الحي) ، يتضمن إثبات الحي اسمًا لله عز وجل وإثبات الحياة صفة له. [5]
التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم، فالرب تبارك وتعالى فِعاله عن كماله. والمخلوق كماله عن فِعاله، فاشتقت له الأسماء بعد أن كَمُل بالفعل. فالرب تعالى لم يزل كاملا، فحصلت أفعالُه عن كماله؛ لأنه كامل بذاته وصفاته، فأفعاله صادرة عن كماله كَمُل ففعل، والمخلوق فعل فكَمُل الكمال اللائق به. [6]
قال الإمام الحسين بن مسعود البغوي: (وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يقول الله سبحانه وتعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي) . [7] فبين أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله.) [8]
العاشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه: إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا، إما علم بما كوَّنه، أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن، لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة وحكمة ولطف وإحسان، إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلا ولا سدى ولا عبثا، وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم به تعالى أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا، لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله: إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته. وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض. [9]
قال ابن القيم الجوزية: (وكما أن العلم به أجل العلوم وأشرفها، فهو أصلها كلها، كما أن كل موجود فهو مستند في وجوده للملك الحق المبين، ومفتقر إليه في تحقق ذاته، وكل علم فهو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه وموجده) [10] .
قال الدكتور سالم بن محمد القرني:(ومعرفة العبد ربه تتمثل في معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلاَّ بعد العلم بالله - سبحانه وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ، وأعلم الخلق بالله {بأسمائه وصفاته} أخشاهم لله وأتقاهم، ولذلك لا يستطيع العباد إدراك حقيقة العبودية لله، وتحقيقها قولًا وعملًا إذا لم يعرفوا صفات الله عزّ وجل.
ومن نفى أسماءه وصفاته كان أجهل الناس به، وبمقدار ما ينفي العبد من صفات الله يغلب عليه الجهل، ويقسو قلبه وتنحرف عبادته.) [11]
(1) شرح العقيدة الواسطية / الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان - دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية - رقم الدرس - 31، باختصار، http://www.islamweb.net .
(2) شرح القواعد المثلى / ابن عثيمين - تخريج وتعليق أسامة عبد العزيز ص7، باختصار.
(3) الاعتصام / للشاطبى - ج1 / ص 194.
(4) بدائع الفوائد - 1 / ص 286.
(5) القواعد المثلى - القاعدة الثالثة وشرح لمعة الاعتقاد ص 5 و6/ الشيخ العثيمين.
(6) بدائع الفوائد - 1 / ص 286.
(7) قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة الحديث - 520: أخرجه أبو داود (1694) والترمذي (1/ 348) .
(8) شرح السنة ـ للإمام البغوى ص 179 - 180.
(9) بدائع الفوائد - 1 / ص 286 - 287.
(10) مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/ 164) .
(11) مجلة جامعة أم القرى - العدد 20 / صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل وأثر الإيمان بها في حياة المسلم - الدكتور سالم بن محمد القرني.