وأيضًا: ثبتَ في (( صحيحِ البُخاري ) )، وروايةِ الطَّحَاوِيّ (1) وغيرِهما احتجامُهُ وإعطاؤه الأجرةَ للحَجَّامِ مع أنَّ مقدارَ عملِ الحجامة، وعددَ كرَّاتِ وضعِ المحاجمِ ومصِّها غيرُ لازمٍ عند أحد.
وأيضًا: سمعَ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ بوجودِ الحمَّام، وأجازَ بدخولِهِ للرِّجال، ولم يبيِّنْ له شرطًا من ذكرِ عددِ ما يصبُّ به الماءُ ونحوه، وعملَ به الصَّحابةُ ومَن بعدهم كذلك فدلَّ هذا كلُّهُ على شرعيَّةِ الاستصناع، فمَن قال أنه لا أصلَ له فقد غفلَ عن هذه (2) الأصول.
الثاني: في كونِهِ بيعًا، وكونِهِ مواعدة:
فقال بعضُ أصحابِنا؛ كالحاكمِ الشَّهيدِ (3) ومحمَّدِ بن سلمة (4) : الاستصناعُ مواعدةُ ابتداءً، وإنّما ينعقدُ عقدًا إذا جاءَ به مفروغًا بالتَّعاطي؛ ولهذا يثبتُ الخيارُ لكلٍّ منهما.
والصَّحيحُ الذي عليه عامَّةُ أصحابِنا؛ أنه بيعٌ كما ذكرَهُ فخرُ الإسلامِ في (( شرحِ الجامعِ الصَّغير ) ).
(1) وهي: عن ابن عباس إنه قال: (احتجم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الحجَّام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه ذلك) في (( شرح معاني الآثار ) ) (4: 130) ، واللفظ له، و (( صحيح البخاري ) ) (2: 741) .
(2) في الأصل: هذ.
(3) وهو محمد بن محمد بن أحمد المَرْوَزِيّ السُّلَميّ البَلْخِيّ، أبو الفضل، الحاكم الشَّهيد، قال السمعاني: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره. ومن مؤلفاته: (( المنتقى ) )، (( الكافي ) )، و (( المختصر ) )، (ت 334هـ) . ينظر: (( طبقات طاشكبرى ) ) (ص75) ، (( الكشف ) ) (2: 1851) ، (( الفوائد ) ) (ص305-306) .
(4) وهو محمد بن سلمة البَلْخيّ، أبو عبد الله، تفقَّه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192-278هـ) . ينظر: (( الجواهر ) ) (3: 162-163) ، (( الفوائد ) ) (ص279) .