وفيه زوالُ الإلباس؛ لأنّها ذكرت الطَّهور، وهو أعلى المفروضات؛ لأنه قال فيه عليه الصَّلاةُ والسَّلام: (إِنَّهُ شَطْرُ الإِيمَان) (1) ، وذكرتِ التَّرجّلَ وهو من أكبرِ السُّنن، وذكرتِ التَّنعّلَ وهو من أرفعِ المباحات، فبيَّنَت أنه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّمَ كان على ذلك الشَّأنِ في جميعِ المفروضاتِ والمستحبَّاتِ والمباحات.
ويترتَّبُ عليه من الفقهِ أنَّ من الأحسنِ في الإخبارِ والتَّعليمِ الإجمالُ أوَّلًا ثمَّ التَّفصيل.
ومنها: أنّها لمَ عبَّرتْ بقولِه: (كَانَ يُحِبّ) ، وما الحكمةُ في حبِّه؟
فالجواب: من تعبيرِها أنها تشعرُ بذلك أنه ليسَ أمرٌ لا بدَّ منه؛ لئلا يعتقدَ أحدٌ أنها ممَّا فرضَ اللهُ تعالى، واحتملَ أن يكون ممَّا سُنَّ فأزالتْ بقولِها كلَّ احتمالات.
وأمَّا ما الحكمةُ في حبِّه؛ فإنّما ذلك إيثارٌ آثرَهُ الحكيمُ بحكمته، فإنه لمَّا رأى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فضَّلَ اللهُ به اليمينَ وأهلَه، وما أثنى عليهم، فأحبَّ ما آثره العليمُ الحكيم، فيكون من بابِ التَّناهي في تعظيمِ الشَّعائرِ حتى يجدَ ذلك ولوعًا في قلبِه، فيكون ذلك، وإلاَّ على قوَّة الإيمان، فمَن وجدَ حُبًَّا لذلك كما أحبَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّم فليشكرْ على ما منحَهُ من ذلك. انتهى كلامه.
(1) عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك...) في (( صحيح مسلم ) ) (1: 203) ، واللفظ له، و (( صحيح ابن حبان ) ) (3: 124) ، و (( سنن الترمذي ) ) (5: 353) ، و (( مسند أبي عوانة ) ) (1: 189) .