الصفحة 148 من 249

فذهبَ قومٌ إلى هذا الحديث، وكرهوا المشيَ بين القبورِ بالنِّعال، وخالفَهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوزُ أن يكونَ رسولُ اللهِ أمرَ ذلك الرَّجلَ بخلعِ النَّعلَيْن لا لأنه كرهَ المشيَ فيها بالنِّعال، بل لمعنىً آخر، وهو أنه قد رآه عليه قذرًا يُقَذِّرُ القبور.

وقد رُوِّينا: (إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم صَلَّى(1) وَعَلَيْهِ نَعْلاه، ثُمَّ أُمِرَ بِخَلْعِهِمَا، فَخَلَعَهُمَا وَهُوَ يُصَلِّي) (2) ، فلم يكن ذلك دالًا على كراهةِ الصَّلاةِ في النَّعلَيْن، ولكنّه للقَذَرِ الذي فيها.

وقد رويَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ ما يدلُّ على إباحةِ المشي بين القبورِ بالنِّعال، وهو ما حدَّثنا ابنُ مَرْزُوق،، ثنا آدم، ثنا حمَّاد، ثنا محمَّد، عن أبي سَلَمَة، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلم: (إِذَا دُفِنَ المُؤمِن، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِكُم حِينَ تُوَلُّوا عَنْهُ مُدْبِرِين) (3) .

فهذا يعارضُ الحديثَ الأوَّلَ إن كان معناهُ على ما حملَهُ عليهِ أهلُ المقالةِ الأولى، ولكنَّا لا نحملُهُ على المعارضة، ونجعلُ الحديثَيْن صحيحَيْن بأنَّ النَّهيَ الذي كان في حديثِ بشيرٍ للنَّجاسةِ التي كانت في النَّعلَيْن لئلا يُنَجِّسَ القبور، كما نُهِي أن يُتَغَوَّطَ عليها ويُبَال.

والحديثُ المذكورُ يدلُّ على إباحةِ المشي بالنِّعالِ التي لا قَذَرَ فيها بين القبور، فهذا وجهُ هذا الباب.

(1) وقع في الأصل: يصلي، والمثبت من (( شرح معاني الآثار ) ).

(2) سبق تخريجه (ص 67) .

(3) سبق تخريجه (ص 156) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت