وقال الجمهورُ من العلماءِ بجوازِ ذلك، وهو قولُ الحَسَن، وابنِ سيرين، والنَّخَعِيّ، والثَّوْرِيّ، وأبي حنيفة، ومالك، والشَّافِعِيّ (1) ، وجماهيرِ الفقهاءِ من التَّابعين ومَن بعدهم.
وأجيبَ عن حديثِ ابن الخَصَاصِيَّة بأنه إنِّما اعترضَ عليه بالخلعِ احترامًا للمقابر، وقيل: لاختيالِهِ في مشيه.
وقال الخَطَّابيّ: يشبهُ أن يكون إنِّما كره؛ لأنه فعلُ أهلِ النِّعمةِ والسِّعةِ فأحبَّ أن يكونَ دخولُهُ في المقبرةِ على زيِّ التَّواضعِ والخشوع.
وقال ابنُ الجَوْزِيّ: ليس في الحديثِ سوى الحكايةُ عمَّن يدخلُ المقابر، وذلك لا يقتضي إباحةً ولا تحريمًا.
ويدلُّ على أنه أمرَهُ بالخلعِ احترامًا للقبور؛ لأنه نهى عن الاستنادِ والجلوسِ عليها (2) .
ووردَ في بعضِ الأحاديثِ أنَّ الميِّتَ كان يسأل، فلمَّا سمعَ صريرَ السّبتيَّتيْن أصغى إليه فكادَ يهلكُ لعدمِ جوابِ الملكَيْن؛ فقال صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلّم: (أَلْقِهِمَا؛ لِئَلا يُؤذَى صَاحِبَ القَبْر) ، ذكرَهُ أبو عبد الله التِّرْمِذِيّ (3) . انتهى كلام العَيْنِيّ (4) .
وقال الطَّحاويُّ في (( شرحِ معاني الآثار ) ): حدّثنا أبو داود، والطَّيالسي، ثنا الأسود، ثنا خالد قال: حدَّثني بشيرُ بن نَهِيك، عن بشيرٍ بن الخَصَاصِيَّة: (إنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم رَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ القُبُورِ فِي نَعْلَيْنِ، فَقَالَ: وَيْحَك يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْك) .
(1) ينظر: (( المجموع ) ) (5: 289) .
(2) وقع في الأصل: فيه، والمثبت من (( العمدة ) ).
(3) في (( نوادر الأصول في أحاديث الرسول ) ) (3: 8) ، ولفظه: (ألق سبتيك لا تشغله) .
(4) من (( عمدة القاري شرح صحيح البخاري ) ) (8: 147) .