الصفحة 29 من 50

وإذا انتقلنا إلى مذهب البراهمة وجدناهم يطلبون عن طريق التأمل والاعتبار كمالاً روحياً بل يزعمون أن الله بذاته يحضر في قلوبهم وضمائرهم ولذلك تتوق أنفسهم إلى الاتحاد به [1] .

ومن تتبع أقوال المتصوفة ونصوص الفيدا-أحد كتب البراهمة المقدسة- يقف أحياناً على تشابه حتى في المفردات [2] . كما أنهم أخذوا عن الهنود طريقتهم في ترويض النفوس وتعذيبها .. يقول الغزالي: (( وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على رجل واحدة لا ينتقل عنها ... وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود والرياء بالبذل .. فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب ) ) [3] .

كما أدخلوا على الإسلام مفهوم الزهد البوذي حتى قال قائلهم: (( لايبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب ) ) [4] .

وأما النصرانية فيظهر تأثيرها جلياً في لبس الصوف وجعله شعاراً .. فهذا الجاحظ يخبرنا أن النصراني إذا أراد التنسك لبس الصوف [5] .

ويروي ابن الجوزي أن رجلاً جاء إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف فقال له: (( إنما هذه ثياب الرهبان ) )... وجاء آخر إلى حماد بن أبي سليمان وعليه ثياب صوف فقال له ضع عنك نصرانيتك هذه [6] .

ويرشدك إلى ذلك كثرة نقولهم لأقوال الرهبان وثنائهم عليهم وعلى طرائقهم في تهذيب النفوس وتطهيرها [7] .

(1) التصوف في الإسلام: 38.

(2) انظر الكشف عن حقيقة الصوفية: 76.

(3) الإحياء: (3/ 62) .

(4) انظر الصوفية: 17.

(5) انظر أبو حامد الغزالي والتصوف: 39.

(6) تلبيس إبليس (195 - 196) .

(7) انظر للمثال الإحياء (3/ 334) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت