الصفحة 6 من 50

مواقف مشرّفة وثبت ثبات الشم الرواسي فنسأل الله أن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء) أهـ

وأرجع إلى كلامه الأول عن الغزالي وكتابه الإحياء؛ فأذكّر أن الغزالي إن كان قد قصر في ذكر الجهاد في كتابه هذا إلا أنه قد تشرف بفتوى عزيزة في خلع ملوك الطوائف في الأندلس حين فسدوا ووالوا النصارى؛ سجلها له التاريخ بمداد من ذهب، لا نحلم اليوم أن نرى لها مثالا عند المداخلة أو الجامية أو الحلبية ونحوهم من مرجئة العصر وجهمية الزمان ..

وذلك لما ضعف حال المسلمين في الأندلس بسبب ما ساد بين ملوكها من فرقة وتنابذ، وجنوح إلى الترف والبذخ والعيش الناعم، في الوقت الذي أهملوا فيه شئون رعيتهم، وتقاعسوا عن حماية دولتهم من خطر النصارى، بل وموالاة كثير منهم للنصارى ومظاهرتهم على المسلمين .. وعقدوا الاتفاقات مع ملك قشتالة، يتعهدون فيها بالامتناع عن معاونة المرابطين، والدخول في طاعة الفونسو ملك قشتالة وحمايته.

مما دفع كلا من أبي حامد الغزالي وأبي بكر الطرطوشي وطائفة من العلماء إلى إصدار فتوى يدعون فيها إلى خلع ملوك الطوائف الإثنين والعشرين (يعني تماما كعدد ملوك الطوائف!! في زماننا) ؛ لأن بقاءهم يهدد حكم المسلمين في الأندلس، وبسبب أفعالهم المذكورة، مع اعتبارهم بغاة لخروجهم عن الطاعة للخلافة العباسية .. وأرسلت الفتوى إلى يوسف بن تاشفين تحرّضه على دخول الأندلس وخلع ملوك الطوائف وهو تماما ما فعله ابن تاشفين؛ وكان في فعله هذا والذي جاء ثمرة لتلك الفتوى تأخير زوال دولة المسلمين المتفككة المترنحة في الأندلس خمسمائة عام أخرى كما ذكر المؤرخون؛ حيث اقتلع المرابطون دول ملوك الطوائف المهترئة ووحدوا الأندلس تحت حكمهم .. ومما جاء في فتوى الغزالى رحمه الله:

«لقد سمعت من لسانه وهو الموثوق به الذى يستغنى عن شهادته عن غيره وعن طبقة من ثقاة المغرب الفقهاء وغيرهم، من سيرة هذا الأمير [1] -أكثر الله من الأمراء أمثاله - ما أوجب الدعاء لأمثاله، ولقد أصاب الحق في إظهار الشعار الإمامى المستظهرى .. وهذا هو الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المُسْلِمِين في مشارق الأرض ومغاربها، فعليهم تزيين منابرهم بالدعاء للإمام الحقِّ، وإن لم يكن بلغهم صريح التقليد من

(1) يقصد يوسف بن تاشفين أمير المرابطين فإنه كان يعتبر نفسه تابعا للخلافة العباسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت