والمفسرون متفقون على أنه نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض وخاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم لا لاعتقادهم أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم لا لاعتقادهم أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى صادقون فقد روي أن عبادة بن الصامت قال: (يا رسول الله إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود) ، فقال عبدالله بن أبي: (لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود) ، فنزلت هذه الآية [1] .
وبقولهم إن الإيمان هو التصديق فقط إخراج للأعمال منه، وهو قول باطل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(لقد غلط المرجئة في أصلين أحدهما ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، فإن أعمال القلوب كلها فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه الله ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، والثاني للمقربين السابقين وذلك مثل حب الله ورسوله؛ بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده من دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته، كما قال تعالى: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} .
والثاني من غلط المرجئة ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع ذلك يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى في النفس وهو في قلبه يعلم أن الحق معه وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون ولكنهم يكذِّبون إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرئاسة، وإما لحبهم لدينهم الذي كانوا عليه، فيكونون بذلك من أكفر الناس كإبليس وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل والرسول إنما معتمدهم على مخالفة أهوائهم كقولهم لنوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ومعلوم أن إتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه ومثل قول فرعون: {أنؤمن لبشر مثلنا وقومهما لنا عابدون} ومثل قول عامة المشركين: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} وهذه الأمور وأمثالها ليست حججًا تقدح في صدق الرسل؛ بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهوائهم وعاداتهم، فلذلك لم يتبعوهم وهؤلاء كلهم كفار؛ بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون علو كلمته وليس عندهم حسد له ولكن كانوا بعلمون أنّ في متابعته فراق دين آبائهم وذم قريس لهم فما احتملت نفوسهم ترك العادة واحتمال هذا الذم فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم؛ بل لهوى النفس، فكيف يقال إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله) [2] .
وقال رحمه الله: (وقد كَفّر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من يقول بهذا القول(إن الإيمان هو التصديق فقط) وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم لا لكونه كَذّبَ خبرًا، وكذلك فرعون وقومه قال الله تعالى فيهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا} وقال موسى عليه السلام لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزل الآيات وهو من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه) [3]
وقال رحمه الله: (لقد تبين أن الإيمان إذا أطلق في القرآن والسنة يُراد به ما يراد بلفظ البر والتقوى وبلفظ الدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق وكذلك لفظ التقوى وكذلك الدين أو دين الإسلام) [4] .
(1) "9"الإيمان 140 - 141.
(2) "10"الإيمان 138 - 140.
(3) "11"الإيمان 138.
(4) "12"الإيمان 130.