يقول اللقاني:
وفسر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق [1]
وفسر البيجوري هذا النظم بقوله: (إن الإيمان هو مطلق التصديق، والإيمان والعمل الصالح متغايران، ومن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار في عمره لا مرة ولا أكثر من مرة مع القدرة على ذلك فهو مؤمن عند الله تعالى؛ ولكنه شرط في إجراء الأحكام الدنيوية) [2] .
قال: (والراجح أن الإيمان هو التصديق وهو غير الجزم) [3] .
هل الإيمان هو التصديق فقط؟!!
إن القول أن الإيمان هو التصديق خطأ كبير، ذلك لأن فيه اقتصارًا على المعنى اللغوي فط، والإسلام قد أضاف للألفاظ معان شرعيّة زيادة على المعاني اللغوية، مع أن الإيمان في بعض وجوه الأصل اللغوي تفيد العمل [4] .
مع أن هناك اعتراض على قولهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أن الأمر يصح في موضع، فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقًا؟ وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان.
ووما يدل على عدم الترادف:
أنه يقال للمخبرَ إذا صدق: صدّقه، ولا يقال آمنه ولا آمن به؛ بل يقال آمن له، كما قال تعالى: {فآمن له لوط} ، {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف} ، وقال تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} . ففرق بين المعدّى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمخبرَ به، والثاني للمخبر. ولا يرد كونه يجوز أن يقال: ما أنت بمصدقٍ لنا، لأن دخول اللام لتوقية العامل، كما إذا تقدم المعمول، أو كان العامل اسم فاعل، أو مصدرًا [5] .
فاقتصار الإيمان على التصديق فقط اقتصار مرفوض، ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوقفنا على معاني الإيمان وعلمنا من مراده علمًا ضروريًا أن من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ولا خاف الله؛ بل كان مبغضًا للرسول معاديًا له يقاتله: أن هذا ليس بمؤمن [6] .
ومن هنا التصديق لا يطلق على المعنى المجرد عن اللفظ ولذا لم يجعل الله أحدًا مصدقًا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم حتى يصدقوهم بألسنتهم ولا يوجد في كلام العرب أن يقال فلان صدق فلانًا أو كذبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك [7] .
وقد نفى الله الإيمان عمن صدق بقلبه ولم ينطقها بلسانه فقال سبحانه: {وما هم بمؤمنين} . وقد بين الله سبحانه حال أقوام صدقوا بقلوبهم وأبوا أن يقروا بألسنتهم بأنهم كفرة مكذبين للرسل وللحق قال سبحانه: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمشاهد أن هناك خلقًا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان إما معاداة أهلهم وإما ما لا يحصل من جهتهم يقطعونه عنهم وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} ) [8] .
(1) "1"الشرح 42.
(2) "2"الشرح 46 - 51.
(3) "3"الشرح 34.
(4) "4"انظر شرح الطحاوية 338.
(5) "5"الطحاوية 338.
(6) "6"شرح الطحاوية 339، وبمثله يقول شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الإيمان 112.
(7) "7"الإيمان 113.
(8) "8"المائدة 51 - 53.