الصفحة 15 من 34

البيجوري وناظم الجوهرة اللقاني يأبيان سلوك طريق السلف الصالح في توحيد الصفات وهما يتبعان طريق الخلف في ذلك.

فالبيجوري من القائلين بتأويل صفات الله عز وجل وصرفها عن ظاهرها وتحميل معاني الصفات معان جديدة جاؤوا بها من عند أنفسهم فحرموا متابعة الأُول ووافقوا أقوامًا طالما حمل عليهم السلف الغارات من أجل ردعهم عن باطلهم ومن أجل كشف عوار وعقائدهم يقول اللقاني:

وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوِّض ورم تنزيهًا

يقول البيجوري: ("أوِّله"؛ أي احمله على خلاف ظاهره مع بيان المعنى المراد، فالمراد: أولِّه تأويلًا تفصيليًا بأن كون قه بيان المعنى المراد كما هو مذهب الخلف: وهم من كانوا بعد الخمسمائة. وقيل: من بعد القرون الثلاثة. وقوله:"أو فوّض"؛ أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوِّض المراد من النص الموهم إليه تعالى على طريقة السلف) .

يقول: (وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، ولذلك قدمها الناظم، وطريقة السلف أسلم: لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد الله. وقوله"ورم تنزيها"؛ أي واقصد تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المعنى المراد؛ فظهر مما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي لأنهم يصرفون النص الموهم عن ظاهره المحال عليه تعالى) .

ويقول شارحًا ذلك بالأمثلة:

1)قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} فالسلف يقولون فوقية لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد بالفوقية التعالي في العظمة أي ارتفاعه فيها.

2)قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} فالسلف يقولون: استواء لا نعلمه، والخلف يقولون: المراد به الاستيلاء والملك. كما قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

ويقول مؤيدًا قول الغزالي في القصيدة المنسوبة إليه:

وهو فوق الفوق لا فوق له وهو في كل النواحي لا يزول

3)قال: ومما يوهم الجسمية قوله تعالى: {وجاء ربك} وحديث الصحيحين: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، ويقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ، فالسلف يقولون: مجيء ونزول لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد: وجاء عذاب ربك أو أمر ربك الشامل للعذاب، والمراد ينزل ملك ربنا فيقول عن الله ... إلخ.

4)قال: ومما يوهم الجوارح قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} و {يد الله فوق أيديهم} وحديث: (إن قلوب بني آدم كلها كقلب واحد بين أصبعين من أصابع من الرحمن) فالسلف يقولون: لله وجه ويد وأصابع لا نعلمها، ويقول الخلف المراد من الوجه: الذات، وباليد: القدرة؛ والمراد من قوله: (بين أصبعين من أصابع الرحمن) بين صفتين من صفاته وهاتان الصفتان: القدرة والإرادة [1] .

هذه هي عقيدة البيجوري الأشعري في صفات الله عز وجل وقوله يتضمن عدّة أمور:

1)أن صفات الله عز وجل دائرة بين التأويل والتفويض لا ثالث لهما.

2)أن تأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر.

3)التفويض: هو جهل بمعنى الصفات، وتفويض المعاني للصفات الموهمة لرب العالمين.

4)التفويض والتأويل متفقان على أن اللفظ القرآني للصفة غير مراد؛ والسلف والخلف متفقان على صرف النص الموهم عن ظاهره المحال عليه تعالى - كما يزعم -

5)أن إثبات صفات الله عز وجل يؤدي إلى التجسيم.

فهل ما قاله البيجوري يوافق معتقد أهل السنة والجماعة من السلف الصالح؟ وهل ما قاله يوافق ما فهمه الأئمة من صفات الله عز وجل؟

ما هي عقيدة السلف في صفات الله عز وجل؟

قال ابن القيم رحمه الله: (وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانًا؛ ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال؛ بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحدهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها؛ بل تلقوها بالقبول والتسليم) [2] .

(1) "1"الشرح 91 - 93

(2) "2"أعلام الموقعين 1/ 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت