الصفحة 16 من 34

وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي: (والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل، أن كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث) .

قال: (وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر إلى كل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر. والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله عز وجل وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف نفسه بها فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا ثم معطلًا ثانيًا، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان في قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظمًا لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف الله تعالى بالغ في الكمال والجمال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فيكون قلبه مستعدًا لصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ) [1] .

وقال ابن عبدالبر: (أهل السنن مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيفوا شيئًا منها؛ وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه فسماهم من أقر بها معطلة) [2] .

وقال الإمام الترمذي في سننه في باب فضل الصدقة:(ما ثبت بهذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف هذا، هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه. وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده وقالوا: إنما معنى اليد القدرة.

وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر، كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال تبارك وتعالى في كتابه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ) [3]

وقال الشهرستاني: (فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعًا أن الله عز وجل لا يشبه شيئًا من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره) [4] .

وقال ابن خزيمة في كتابه"التوحيد وإثبات صفات الرب": (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين وعز ربنا أن نشبهه بالمخلوقين، وجل ربنا عن مقالة العاطلين وعز أن يكون كما قال المبطلون) [5] .

قال ابن قدامة المقدسي: (وعلى هذا درج السلف والخلف رضي الله عنهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والإهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها ضلالات) [6] .

فهذه نصوص من أقوال السلف الصالح في وصف عقائد أصحاب الملة الصحيحة واضحة جلية في أن عقائد السلف هي ما اجتمع فيها:

1)تنزيه الله عن مشابهة الخلق في صفاته وأفعاله وذاته.

2)الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها وعدم التهجم على الله بنفي ما أثبته لنفسه.

(1) "3"أضواب البيان 2/ 319 وأنظر منهج الدراسات لآيات الأسماء والصفات له 19 - 20.

(2) "4"فتح الباري 13/ 407.

(3) "5"سنن الترمذي 2/ 87.

(4) "6"الملل والنحل 604.

(5) "7"ص 10.

(6) "8"لمعة الاعتقاد 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت