الصفحة 7 من 34

البيجوري من قوم لا يحتجون لعقائدهم إلا بالمتواتر لأنها قطعية بزعمهم، ولا يقبلون حديث الآحاد لأنه يفيد الظن فقط، وهؤلاء القوم يزعمون التوقي لدينهم من الدخن والتحرز من اعتقاد الخطأ.

والعجيب أن البيجوري الذي يرى أن الكشف أعلى درجات الأدلة في إثبات العقائد كما فصلنا في ذلك في بابه يرفض الأحاديث النبوية الآحادية ويزعم أنها لا تصلح دليلًا للاحتجاج.

فهو يرفض حديث النبي صلى الله عليه وسلم النصي أن والده في جهنم لأنه حديث آحاد، وهو يرفض حديث إطالة الأجل بصلة الرحم لأنه حديث آحاد ولا يجزم أن للأنبياء أحواض لأنها أحاديث آحاد [1] .

وهذه المسألة هي من المسائل التي ظهرت عندما نبتت نابتة السوء في تاريخ الإسلام فدخلت آثار اليونان ونفايات السابقين إلى أُمتنا فصارت مسلّمة لا شبهة فيها حتى زعم أقوام أن الإجماع قد انعقد على أن العقائد لا يقبل فيها إلا بالمتواتر.

قال الشيخ شلتوت: (نصوص العلماء المتكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين فلا تثبت به العقيدة ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شيء) [2] .

فعندما بلغ الأمر بهذه الأمة إلى هذه الحالة، وصار أمر أعلامها وعلمائها إلى تقليد السابقين وترك النصوص والآثار، تغيرت العقائد ومسخت أصول الإسلام، فصار المنطق اليوناني دثار الأصوليين ومهوى مرادهم.

وهذا الأمر - وهو ترك الحتجاج بحديث الآحاد في العقائد- صرف الناس عن طريق الهدى والصواب، فتحجمت العقيدة، وقلص التوحيد، فصار أهل الكلام يملؤون مداخل العقيدة بآرائهم ونتاج عقولهم وأهوائهم فخرج الحق من نصله وحل الخبيث بدلًا منه، ولعل قارئ شرح جوهرة التوحيد للبيجوري يرى ذلك واضحًا جليًا.

ولأهمية هذه الردود على المذاهب الدخيلة التي تزيت بزي الإسلام وعقيدته فإننا نقتصر على الإجابة بالأدلة النقلية النصية وبأقوال أهل العلم الموثقين المقبولين بإجماع أهل الأمة.

تحقيق المسألة:

التواتر في لغة القرآن والعرب التتابع قل أو كثر قال تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} .

والمعنى أن الرسل تتابعت إلى أممها وتواترت إليها.

قال الشوكاني: (والمتواتر لغة عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما مأخوذ من الوتر) [3] .

وفي الاصطلاح: (خبر جمع عن جمع محسوس يمنع تواطؤهم على الكذب) [4] .

وقيل: هو أن يرويه جماعة عن جماعة مثلها من أول طريقه إليهم قرنًا فقرنًا حتى يصل من الصادر منه إلى المرفوع إليه.

والآحاد: هو ما لم يوجد على صفة المتواتر.

ولا يظن ظان أن الآحاد ما رواه الواحد عن واحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فليس هذا المراد وإن عُد من الآحاد.

والمتواتر: عندهم هو أن يبلغ العدد مبلغًا من غير العادة تواطؤهم على الكذب ولا يُقيّد ذلك بعدد معين.

والمسالة كما هي معروضة واضحة دائرة حول حصول الاطمئنان القلبي، فهي في الأصل شاء المنكرون أم أبوا تعود إلى نفس الشخص السامع وحاله لا إلى ضابط صحيح.

وما دام أن المسألة تعود إلى السامع فقد يحصل الاطمئنان واليقين في نفس السامع بخبر الواحد فقط لاعتقاده بصدقه وقد لا يحصل الاطمئنان واليقين بخبر جماعة كثيرة لتردده وتوارد وساوسه.

ولعل إدراكنا لهذا الأمر يكشف لنا عن حقيقة أصل هذه البدعة - وهي رفض حديث الآحاد في العقيدة- وهو أن أقوامًا ظنوا أن الحقائق هي ما وجدوه من نفايات اليونان؛ فوجدوا أن هذه الحقائق كما زعموا تخالف ما ورد من كتاب الله وسنة رسوله سواء أكانت هذه المسائل في الإلهيات أم في غيرها فانتحلوا الأسباب والدلائل لردها لحصول الشك لديهم في هذه النصوص فابتدع لهم شيطانهم هذه المقالة.

(1) "1"انظر شرح الجوهرة ص29 - 160 - 184.

(2) "2"الإسلام عقيدة وشريعة 74 - 76.

(3) "3"الإرشاد 46.

(4) "4"المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت