الصفحة 8 من 34

قال ابن القيم: (وأعلم أن خبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن وللتجوز فيه مدخل؛ ولكن هذا الذي قلناه - وهو أن الحديث بنفسه يفيد العلم- لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم وقته مشتغلًا بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم وشدة حذرهم من الطغيان والزلل وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر والبحث عن أحوال الرواة والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك وقد نقلوا هذا الدين كما نقل إليهم وأدوا كما أدى إليهم وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجلّ عن الوصف ويقصر دونه الذكر وإذا وقف المرء على هذا في شأنهم وعرف أحوالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه) [1] .

ولآن أهل الحديث هم أدرى الناس بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما يفيد الاطمئنان واليقين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لا يفيد ذلك فقد حاول الخصوم إخراج هؤلاء الزمرة من ساحة المحاورة ليخلو لهم الجو فينشروا بضاعتهم الفجة ويوردها الناس بلا مدافع ولذلك قالوا: (وبعدما تبين اختصاص كل علم بموضوعه يتضح أن تحقيق مسألة عدم جواز الاستدلال بحديث الآحاد في العقيدة إنما يكون في علم أصول الفقه ولا تعلق له بالمسائل الفقهية والحديثية إلا من حيث التمثيل والتوضيح؛ بل هي التي لها علاقة بعلم الأصول أو لم يبنوا بحث هذه المسألة على الأسس الأصولية يكون بحثهم ناقصًا غير ناضج وبالتالي لا يعتد بآرائهم وأقوالهم في هذا الموضوع) [2] .

وبيانًا لهذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:(كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل ليس هو صفة للدليل في نفسه فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظني عند عمرو فقولهم إن إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم؛ بل هي ظنية هو إخبار عما عندهم إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم فقولهم لم نستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام على ذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له ولا عالم به فهو كمن يجد من نفسه وجعًا أو لذة أو حبًا أو بغضًا فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض ويكثر له من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته ولو كان حقًا لاشتركت أنا وأنت في وهذا عين الباطل وأحسن ما قيل:

أقول للائم المهدي ملامته ذق الهوى وإن استطعت الملام لم

فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والحرص عليه وتتبعه وجمعه ومعرفة أحوال نقلته وسيرتهم وأعراض عما سواه واجعله غاية طلبك ونهاية مقصدك؛ بل احرص عليه حرص أتباع أرباب المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه، وحينئذٍ تعلم هل تفيد أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم أولا تفيده فأما مع إعراضك عنها وعن طلبها فهي لا تفيدك علمًا، ولو قلت: لا تفيدك أيضًا ظنًا لكنت مخبرًا بحصتك ونصيبك منها) [3] .

أقوال الأئمة في هذا المسألة:

ذكر كثير من أهل العلم الإجماع السلفي على قبول حديث الآحاد في العقائد وأنه يفيد العلم كما أنه يفيد العمل.

قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: (يعمل بخبر الآحاد في أصول الدين، وحكى الإمام ابن عبدالبر الإجماع على ذلك) [4] .

(1) "5"مختصر الصواعق المرسلة 2/ 409 - 410.

(2) "6"الاستدلال الظني في العقيدة 11.

(3) "7"مختصر الصواعق 2/ 432 - 433.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت