وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل(أي تثبت بخبر الواحد) [1] ، وقال رحمه الله: (ولو جاز لأحد أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي. ولكني أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجودًا على كلهم) [2] .
قال ابن القيم رحمه الله: (وقد صرح الشافعي في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم، نص على ذلك صريحًا في كتاب اختلاف مالك) .
وفي كتاب المسودة قال أبو بكر المروزي: (قلتُ لأبي عبدالله - الإمام أحمد: ههنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا، فعابه وقال: ما أدري ما هذا) .
قال المؤلف: (وظاهر هذا أنه سوى فيه بين العمل والعلم) [3] .
وقال السفاريني: (نقل أحمد بن جعفر الفارسي في كتاب الرسالة عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: لا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه أنه كما جاء فقوله: ونعلم أنه كما جاء نص صريح في أن هذه الأحاديث تفيد العلم عنده) [4] .
قال الشوكاني: (وقال أحمد بن حنبل أن يفيد بنفسه العلم) [5] .
وقال: (وحكاه ابن جواز منداد عن مالك بن أنس واختاره) [6] .
وقال ابن حزم: (وقد ثبت يقينًا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معًا) [7] .
وقال ابن أبي العز الحنفي: (وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملًا به وتصديقًا له يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر. ولم يكن بين سلف الأمة نزاع في ذلك كالأحاديث المتفق عليها بين الصحيحين: كخبر عمر إنما الأعمال بالنيات. وخبر ابن عمر رضي الله عنهما"نهى عن بيع الولاء وهبته". وخبر أبي هريرة: ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، وكقوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأمثال ذلك) [8] .
وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب العمل بالأحاديث الصحيحة التي لا يعلم لها معارض يدفعها وهي تنقسم إلى ما دلالته قطعية بأن يكون قطعي السند والمتن وهو ما تيقنا أن رسول الله قاله وتيقنا أنه أراد به تلك الصورة وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية.
فأما الأول فلا خلاف بين العلماء في الجملة أنه يجب اعتقاد موجبه علمًا وعملًا ...
وقد اختلفوا في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق أو الذي اتفقت على العمل به، فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم وذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لا يفيد ... وأما القسم الثاني وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين فإن كان تضمن حكمًا علميًا مثل الوعيد ونحوه فقد اختلفوا فيه فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن وعيدًا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل ولا يعمل به في الوعيد إلا أن يكون قطعيًا وكذلك لو كان المتن قطعيًا لكن الدلالة ظاهرة. وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد فإن أصحاب رسول الله والتابعين من بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل [9] .
وقال رحمه الله: (ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به فهذا يفيد العلم ونجزم بأنه صدق لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه والأمة لا تجتمع على ضلالة) [10] .
(1) "9"الرسالة 453.
(2) "10"الرسالة 457 - 458.
(3) "11"المسودة 242.
(4) "12"لوامع الأنوار البهية 1/ 18.
(5) "13"الإرشاد 48.
(6) "14"انظر الأحكام 1/ 119.
(7) "15"الأحكام 1/ 124.
(8) "16"شرح العقيد الطحاوية 399 - 400.
(9) "17"مجموع الفتاوى 20/ 257 - 268.
(10) "18"مجموع الفتاوى 18/ 16.