ويقول كذلك: (فالخبر الذي رواه الواحد من الصحابة والاثنان إذا تلقته الأمة بالقبول والتصديق أفاج العلم عند جماهير العلماء ومن الناس من يسمي هذا المستفيض، والعلم هنا حصل بإجماع العلماء على صحته فإن الإجماع لا يكون على خطأ ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وإنما خالف في ذلك فريق من أهل الكلام) [1] .
قال الشوكاني: (ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له ومن هذا القسم أحاديث الصحيحين فإن الأمة قد تلقت ما فيها بالقبول) [2] .
قال ابن حزم: (قال أبو سليمان والحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي: إن خبر الواحد العدل عن مثله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل جميعًا) [3] .
وقال ابن تيمية رحمه الله: (وهو قول المنصفين من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك) .
وقال: (وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق وابن فورك) .
وقال: (وهو قول أبي حامد وأبي الطيب وأبي إسحاق من الشافعية، وقول القاضي عبدالوهاب من المالكية، وهو قول السرخسي وأمثاله من الحنفية، وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم والحديث) [4] .
قال أبو إسحاق الإسفراييني: (أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها؛ قال: فمن خالف حكمه خبرًا منها وليس له تأويل سائغ للخبر، نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول) [5] .
وقال ابن حجر: (الخبر المحتف بالقرائن قد يفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك) [6] .
هذه أقوال لأساطين العلم وجهابذة الفتوى يرون أن حديث الآحاد يفيد العلم والعمل وأن هذه الأحاديث كما توجب العلم والعمل كذلك هي حجة في العقائد والتصورات والزعم بخلاف ذلك أمر محدث بدعي لم يعلم عند السلف السابقين.
قال ابن حزم: (وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة إنذار قومها وأوجب على قومها قبول نذارتهم بقوله تعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} فقد حذر تعالى من مخالفة نذارة الطائفة - والطائفة في اللغة تقع على بعض الشيء كما قدمنا- ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلمًا ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قومًا إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لزامًا عليهم قبوله ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولًا إلى ملك من ملوك الكفر أو أمة من أمم الكفر يدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين ولا فرق وما قال قط مسلم أنه كان حكام أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد الإيمان حق عندنا؛ ولكن ما أفتيتنا به وعلمتناه من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما أقرأتنا من القرآن عنه عليه السلام فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك لأن الكذب جائز عليك ومتوهم منك حتي يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر؛ بل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين، وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلبوا إليهم عنه القرآن والسنن وشرائع الدين، وأنه عليه السلام لم يبعثهم إليهم ليشرعوا لهم دينًا لم يأت هو به عن الله تعالى. فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنن ففرض قبوله والإقرار به والتصديق به واعتقاده والتدين به) [7] .
(1) "19"مجموع الفتاوى 18/ 70.
(2) "20"إرشاد الفحول 50.
(3) "21"الأحكام 1/ 119.
(4) "22"مجموع الفتاوى 13/ 351 - 352.
(5) "23"قواعد التحديث للقاسمي 85.
(6) "24"شرح النخبة 7.
(7) "25"الأحكام 1/ 112 - 113.