الصفحة 29 من 34

قال اللقاني:

ومالك وسائر الأئمة ... كذا أبو القاسم هداة الأمة

فواجب تقليد حبر منهم ... كذا حكى القوم بلفظ يفهم [1]

وأبو القاسم هو محمد الجنيد سيد الطائفة الصوفية.

والتقليد هو: العمل بقول الغير من غير حجة [2] .

إذًا فالناظم يريد منا ومن مجموع الأمة أن نقلد الأئمة الأربعة وكذا نقلد الجنيد، فالأئمة الأربعة في المسائل الفقهية، والجنيد في التصوف [3] .

إن الناظر لهذه المسألة مع عرضها على نصوص السنة النبوية وأقوال الأئمة، يرى فيها أن الحق في جانب يخالف الجانب الذي دعا إليه اللقاني، لأن الله عز وجل قد تعبدنا بكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد منع كثير من الأئمة جواز التقليد؛ بل قد ذكر بعضهم الإجماع على ذلك:

قال عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي: (التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والإتباع ما ثبت عليه حجة) [4] .

وقد نهى الأئمة عن تقليدهم فينبغي متابعتهم فيما قالوا:

1)سئل أبو حنيفة: إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه؟ قال: (أتركوا قولي لكتاب الله) . فقيل: إذا كان خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: (أتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم) . فقيل له: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: (أتركوا قولي لقول الصحابة رضي الله عنهم) [5] .

2)قال عبدالله بن المبارك: سمعت أبا حنيفة يقول: (إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم) [6] .

3)قال الشافعي: (إذا قلت قولًا وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فما يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى فلا تقلدوني) [7] .

4)وقال رحمه الله: (إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي) .

5)وقال: (مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري) [8] .

6)وأما أحمد بن حنبل رحمه الله فقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: الأوزاعي هو أتبع أم مالك - كأنه يريد أكثر أتباعًا من مالك- فقال: (لا تقلد في دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير) [9] .

7)وقال أحمد أيضًا: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا) [10] .

8)وقال رحمه الله: (من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال) [11] .

9)وقال الشافعي: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد) [12] .

10)وقال: (إذا صح الحديث على خلاف قولي فأضربوا قولي بالحائط، واعملوا بحديث الضابط) [13] .

فهذه نصوص الأئمة وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على أنهم قد ألزموا بعض أتباعهم على ترك تقليدهم ويرون ذلك من قلة الفقه وإن الإتباع - إتباع الكتاب والسنة- هو سبيل أهل التدين من السلف والخلف.

أما قول الناظم بوجوب التقليد فهو قول مدعى يعوزه الدليل، وينقصه البرهان.

أما احتجاج البيجوري بالآية الكريمة: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ؛

فالجواب: إن الآية الكريمة التي سبقت قد أمر الله تعالى فيها من لا يعلم أن يسأل (أهل الذكر) ، والذكر هو القرآن والسنة كما ذكره الله في قوله مخاطبًا لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} . وآياته القرآن، والحكمة السنة.

(1) "1"الشرح 150

(2) "2"إرشاد الفحول 265، وشرح جوهرة التوحيد 33

(3) "3"الشرح 151

(4) "4"جامع بيان العلم وفضله 2/ 117

(5) "5"إيقاظ همم أولي الأبصار 50

(6) "6"الإيقاظ 70

(7) "7"إعلام الموقعين 2/ 285، وإيقاظ همم أولي الأبصار 50

(8) "8"إعلام الموقعين 2/ 211

(9) "9"مسائل الإمام أحمد لأبي داود 276-277، وإعلام الموقعين 2/ 200 - 201

(10) "10"إعلام الموقعين 2/ 201، والإنصاف 105

(11) "11"إعلام الموقعين 2/ 201

(12) "12"إعلام الموقعين 2/ 282، وإيقاظ أولي الأبصار 58 - 103

(13) "13"إعلام الموقعين 2/ 288، وإيقاظ أولي الأبصار 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت