والشيخ لا يريد أن يبغضه الناس فيحاولوا عرقلة مشاريعه الخيرية، ولا يريد أن يمقتوه فيحاولوا غربلة إسهاماته الطيبة، بل استطاع بتلك الهندسة أن يستخدم شاتمه في إنهاء إجراءات مشاريعه الخيرية بدل عرقلتها، وبذاك التكتيك قدر أن يستعمل سابه بتخليص إسهاماته الطيبة.
كيف استطاع أن يُحَوَّل الشاتم إلى رجل من رجالاته القائمين على خدمته؟ وإلى أحد الحاضرين في مجلسه لسماع فتواه واستشارته؟ وإلى واحد من المصلين عليه تقربًا إلى الله؟ وإلى كاتب تأبين ورثاء مفتخرًا بقربه إليه؟ وكيف قدر على قلب الساب إلى عضو فعال في إسهاماته؟ وإلى تلميذ؟ وإلى داع له؟ وإلى شاعر معتز بمهاتفة ومراسلة ومحادثة الشيخ له؟
فليست البلاهة تستطيع التحويل، ولا الغفلة قادرة على القلب، بل هندسة وتكتيك مملوءان باليقين بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض» [1] .
فالشيخ لديه يقين بأنه إذا كظم غيظه وعفا عن المسيء صار من المحسنين الذين يحبهم الله، وعنده يقين بأنه إذا أحبه الله أحبه الناس، وهذا الكظم من الشيخ، وطلب التعويض من الله من اليقين بحديث: «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك خيرا منه» [2] .
وبهذا استطاع الشيخ أن يُحوَّل الشاتم كما تقدم، وأن يقلب الساب كما سبق.
وهناك عملية أخرى يقوم بها - رحمه الله - للتحويل والقلب وهي أن الشيخ مهما نزلت أخلاق الآخرين عند التنافس، وهبطت عند الأطماع، وانخفضت عند الاختلاف تبقى أخلاقه عالية لا يتنازل عنها، ولا ينزل بها مع ذاك المنافس والطامع والمختلف، وسبب عدم تنازله عن أخلاقه ونزوله بها هو أن الشيخ يتعبد بها، وبها يتقرب إلى الله فلم يتخلق بها لينال منصبًا وبنيله له تزول، ولم يتمسك بها طمعًا بزائل فلما زال زالت، ولم يعض عليها بالنواجذ لكون الآخرين موافقين له فلما اختلفوا عليه انخفضت أخلاقه وهبطت آدابه.
بل هي دائمًا عالية، وسبب علوها أن الشيخ مواظب على سقياها في جميع الأحوال، ومختلف الحالات، وذلك بماء المكرمات كما قال الشاعر:
(1) أخرجه مسلم (2637) من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه أحمد في المسند (5/ 78) من رواية أعرابي.