(وبعدُ) أي: وبعد ما تقدم من الحمد والصلاة والسلام، وهذه الكلمة سواء كانت بعد"أما"أم لا، يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، ولا يجوز الإتيان بها في أول الكلام، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عقد البخاري لها بابًا في صحيحه، وقد اختُلِف في أول من قالها على ثمانية أقوال جمعها بعضهم في بيتين:
جرى الخلف"أما بعدُ"من كان بادئًا ... بها عُدّ أقوالًا وداودُ أقربُ ... ويعقوبُ أيوبُ الصبورُ وآدمٌ ... وقسٌّ وسحبانٌ وكعبٌ ويعربُ
.... فهاكَ من تصريفِ فِعْلٍ عِقْدُ
فإنهُ فنٌّ جليلُ القدرِ ... وجَهْلُهُ بالمرء حقًا مُزر
(فهاكَ) هاك: اسم فعل أمر بمعنى خُذ (مِن تصْريفِ فِعْلٍ عِقْدُ) شبَّهَ نظمه بالعِقد المنظوم من الجوهر والخرز ونحوهما الذي يُعَلَّق بالرقبة، وخصّ التصريف بالفعل في قوله (مِن تصْريفِ فِعْلٍ) لكونه لم يتكلم في هذه المنظومة إلا عن تصريف الفعل خاصة، والأصالة في التصريف إنما هي للأفعال؛ لكثرة تغييرها، وإنما دخل الأسماءَ حمْلًا لها على الأفعال.
(فإنهُ) أي: علم الصرف (فنٌ جليلُ القدرِ) أي: عظيم المنزلة، فهو من أجل العلوم العربية وأعظمها خطرًا؛ لأنه يجري في الصميم من الألفاظ العربية، ويجري منها مجرى المعيار والميزان.
(وجَهْلُهُ بالمرء حقًا مُزرِ) أي: أن جهْل طالب العلم بعلم الصرف يُلْحِقُ به العيب، ويَنْقُصُ من مرتبته.
ذَكرتُ منهُ ما تَمَسُّ الحاجةُ ... إليهِ والربُّ بهِ الإِعانَةُ
سمَّيتُهُ باكُورَةَ التعريفِ ... بِما يهُمُّنَا مِن التَصْرِيف