كما تضمنت أن نداءه - صلى الله عليه وسلم - من وراءه الحجرات في وقت راحته لا يجوز وأن على أولئك المنادين أن ينتظروه حتى يخرج إليهم، ليتحدثوا معه فيما جاءوا من أجله، وحذرت من قبول المؤمنين خبر الفاسقين حتى يتحققوا من صدقه، لكيلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين، وأوجبت عليهم الإصلاح العادل بين الطائفتين المتقاتلين من المؤمنين، فإن لم يتم الصلح قاتلوا الطائفة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى: [فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] {الحجرات:9} . ونهت عن سخرية بعضهم من بعض ذكورًا كانوا أو إناثًا، وعن التعاير بالألقاب، وأمرت باجتناب كثير من الظن [إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ] {الحجرات:12} ونهت عن التجسس وعن الغيبة، وبينت أن الله - تعالى - خلق عباده من ذكر وأُنثى وجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، لا ليتفاخروا بالأحساب والأَنساب، فإن أكرمهم عند الله أتقاهم.
وكشفت كذب بعض الأعراب في ادعائهم الإيمان، ودعتهم إلى صدق الإيمان فإن الله بهم عليم [إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] {الحجرات:18} . بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا، وتلك تشريفًا له - صلى الله عليه وسلم - وبخاصة مطلعها وهذه تضمنت تشريفًا له في مطلعها، إلى غير ذلك. [1] .
• السبب العام لنزول هذه السورة:
قال القرطبي: قال العلماء: كان في العرب جفاءٌ وسوءُ أدب في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي تلقيب الناس، فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق. [2] .
• ترتبط سورة الحجرات بسورة الفتح قبلها بعدة روابط، منها: أنهما مدنيتان ومشتملتان على أحكام، وأنَّ سورة الفتح فيها قتال الكفار، وهذه فيها قتال البغاة، وتلك ختمت بالذين آمنوا،
(1) التفسير الوسيط للقرآن الكريم - (ج 9/ 1022) مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر- الناشر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية - الطبعة: الأولى، (1414 هـ = 1993 م)
(2) المرجع السابق