فهرس الكتاب
بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أوثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفصائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضًا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث ذاتًا كان أوفعلًا لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب. وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض وكثيرًا ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثرعنهم. [1] ""
ويلاحظ أن ابن خلدون يرادف بين التاريخ وعلم الاجتماع، حتى يصعب الفصل بينهما، فموضوعهما واحد هوالتجمع الإنساني، ودراسة العمران البشري، وتبيان أحوال هذا العمران في توحشه وتأنسه، في بداوته وتحضره، ورصد طبيعة هذا الانتقال من حالة إلى أخرى، أومن طبع إلى آخر. وهذا ما يقوم به علم التاريخ. ومن ثم، فالتاريخ هودراسة تطور المجتمعات من حالة إلى آخرى. وبهذا، يكون ابن خلدون من أصحاب النظرية التطورية في علم الاجتماع، مادام الهدف منه هواستكشاف عمليات التطور التي تتعرض لها القبائل والدول والأمم والبوادي والحواضر ...
ومن جهة أخرى، يعلن ابن خلدون عن تأسيس علم جديد لم يكن عند الشعوب السابقة، سواء أكانت أعجمية أم عربية، وهذا العلم هوعلم الاجتماع أوعلم العمران البشري الذي يدرس المجتمع الإنساني في تآلفه وتوحشه، في تفرقه وتجمعه، في انعزاله
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 28.