الصفحة 11 من 68

وتضامنه، في أنانيته وتعاونه، في سلمه وحربه، في بداوته وحضارته، في جفائه وتمدنه، في مجده واضمحلاله. ومن ثم، يهتم هذا العلم بأحوال المجتمعات البشرية وطبائعها وأعراضها وعلومها ومعارفها وفنونها وعاداتها وأعرافها وتقاليدها وصنائعها وبداوتها وتمدنها الحضاري. ومن ثم، يعنى هذا العلم برصد ماهوثابت أومتغير في هذه المجتمعات البشرية، باستخدام العقل والتأمل والحكمة والفلسفة والتجربة والخبرة والمعايشة، واستقراء الواقع التاريخي كليا أوجزئيا. والهدف من ذلك كله هواستخلاص القوانين والأعراض التي تخضع لها الدول والأمم والقبائل والحواضر والتجمعات الإنسانية. وبتعبير أرسطي، التمييز بين الجواهر المعقولة الثابتة في الماهيات، والعوارض الشكلية التي تتغير في الزمان والمكان. وفي هذا يقول ابن خلدون:"وإذا كان ذلك، فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هوالعمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضًا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونًا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارًا صحيحًا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه وهذا هوغرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا وكأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذوموضوع وهوالعمران البشري والاجتماع الإنساني، يقول وذومسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيًا كان أوعقليًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت