فهرس الكتاب
واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص وليس من علم الخطابة إنما هوالأقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أوصدهم عنه ولا هوأيضًا من علم السياسة المدنية إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أوالمدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه وكأنه علم مستنبط النشأة ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ذلك وليس الظن بهم أولعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا. فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل. فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضى الله عنه بمحوها عند الفتح، وأين علوم الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها، وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنما وصل إلينا علوم أمة واحدة وهم يونان خاصة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وبذل الأموال فيها ولم نقف على شيء من علوم غيرهم وإذا كانت كل حقيقة متعلقة طبيعية يصلح أن نبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه لكن الحكماء لعلهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الأخبار. [1] ""
ويعني هذا أن ابن خلدون قد أعلن عن ريادته لعلم جديد هوعلم الاجتماع، وتأسيسه لعلم العمران البشري، ولم يكن هذا العلم موجودا عند الشعوب الأخرى، سواء أكانت
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 30 - 31.