فهرس الكتاب
والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك وغيره مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهوعاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضًا باستعمال الآلات المعدة لها فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضًا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم وهذا هومعنى العمران الذي جعلناه موضوعًا لهذا العلم." [1] "
ومن جهة أخرى، قدم ابن خلدون جغرافيا اجتماعية، فقد قسم المعمور إلى سماء، وأرض، وجبال، وأنهار، وبحار، وبحيرات، وتلال، وهضاب، وسهول ... وبعد ذلك، قسم هذا المعمور إلى نطاقات مناخية وهوائية وبيئية لتحديد أثر المناخ في العمران البشري إيجابا وسلبا. وقد ربط العمران بالمناطق المعتدلة والمناخ المعتدل. ويعني هذا أن التجمع البشري مرتبط بالأراضي الخصبة، والمياه الجارية، واعتدال المناخ. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"قد بينا أن المعمور من هذا المنكشف من الأرض إنما هووسطه لإفراط الحر في الجنوب منه والبرد في الشمال. ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين من الحر والبرد وجب أن تندرج الكيفية من كليهما إلى الوسط فيكون معتدلًا فالإقليم الرابع أعدل العمران والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال والذي يليهما"
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 34 - 35.