الصفحة 18 من 68

أهل الإقليم الأول أنهم يسكنون الكهوف والغياض ويأكلون العشب وأنهم متوحشون غير مستأنسين يأكل بعضهم بعضًا وكذا الصقالبة والسبب في ذلك أنهم لبعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك وكذلك أحوالهم في الديانة أيضًا فلا يعرفون نبؤةً ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال وهوفي الأقل النادر مثل الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الإسلام وما بعده لهذا العهد ومثل أهل مالي وكوكووالتكرور المجاورين لأرض المغرب الدائنين بالإسلام لهذا العهد يقال أنهم دانوا به في المائة السابعة ومثل من دان بالنصرانية من أمم الصقالبة والإفرنجة والترك من الشمال ومن سوى هؤلاء من أهل تلك الأقاليم المنحرفة جنوبًا وشمالًا فالدين مجهول عندهم والعلم مفقود بينهم وجميع أحوالهم بعيدة من أحوال الأناسي قريبة من أحوال البهائم ويخلق ما لا تعلمون ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والأحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما يليها من جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني فأن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر." [1] "

وقد بين ابن خلدون تأثير المناخ والهواء في أخلاق البشر، فهناك من تكون أخلاقه أخلاق طيش وفرح وطرب وزهووكسل وخمول مثل ساكنة المناطق الحارة من السودان. وهناك من تكون نفسيته منقبضة حزينة كما في المناطق التي تغلب عليها البرودة. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"قد رأينا خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم"

(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 67 - 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت