الصفحة 23 من 68

الكمالي، وتحسنت أحوالهم ومعاشهم، مالوا إلى بناء القصور والمنازل والدور الفخمة، ومالت حياتهم أيضا إلى الترف والمجد واللهووالبذخ، وأصبحوا بدورهم عرضة لانقضاض الأعداء، عندما تضيع وحدتهم، وتضيع عصبيتهم، وتفشل ريحهم، وينحرفون عن دينهم. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"إعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هوباختلاف نحلتهم في المعاش فإن اجتماعهم إنما هوللتعاون على تحصيله والابتداء بما هوضروري منعه ونشيطه قبل الحاجي والكمالي فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج فضلاتها وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة ولا بد إلى البدولأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح للحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدوأمرًا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدفء إنما هوبالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ والتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها فيتخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت