فهرس الكتاب
أوفراش أوآنية أوماعون وهؤلاء هم الحصر ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان ومن هؤلاء من ينتحل معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدولأن أحوالهم زائدة على الضروري ومعاشهم على نسبة وجدهم فقد تبين أن أجيال البدووالحضر طبيعية لا بد منها كما قلناه." [1] "
ويعني هذا أن البداوة أسبق من الحضارة، وأن البدوي هوأصل الحضري، وأن البادية هي أصل المدينة والحاضرة. أي: إن البوادي هي التي تحولت إلى المدن والحواضر والأمصار بفعل التوسع والتمدن والترف، والانتقال من الضروري إلى الحاجي والكمالي. وفي هذا النطاق، يقول ابن خلدون"قد ذكرنا أن البدوهم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ولا شك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه ولأن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه فالبدوأصل المدن والحضر، وسابق عليهما لأن أول مطالب الإنسان الضروري ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلًا فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده عاج إلى الدعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة وهكذا شأن القبائل المتبدية كلهم والحضري لا يتشوف إلى أحوال البادية إلا لضرورة تدعوه إليها أولتقصير عن أحوال أهل مدينته ومما يشهد لنا أن البدوأصل للحضر ومتقدم عليه أنا إذا فتشنا أهل مصر من الأمصار وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدوالذين بناحية ذلك المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة"
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 98.