فهرس الكتاب
وأنها أصل لها فتفهمه. ثم إن كل واحد من البدووالحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمرانًا من مدينة فقد تبين أن وجود البدومتقدم على وجود المدن والأمصار وأصل لها بما أن وجود المدن والأمصار من عوائد الترف والدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضروري المعاشية والله أعلم." [1] "
علاوة على ذلك يتميز أهل البادية عن أهل المدر بمجموعة من الصفات والشيم، مثل: الخير، والصبر، والوفاء، والإباء، والكرم، والشجاعة، وكثرة العبادة ... وفي هذا، يقول ابن خلدون:"والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غازون آمنون، قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقًا يتنزل منزلة الطبيعة وأهل البدولتفردهم عن التجمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم فهم دائمًا يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق ويتجافون عن الهجوع إلا غرارًا في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبات والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء فدلين بيأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقًا والشجاعة سجنةً يرجعون إليه متى دعاهم داع أواستنفرهم صارخ وأهل الحضر مهما"
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 99.