الصفحة 26 من 68

خالطوهم في البادية أوصاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون منهم شيئًا من أمر أنفسهم وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات وموارد المياه ومشاريع السبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقًا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرًا صحيحًا والله يخلق ما يشاء." [1] "

أما على صعيد الحكم والسياسة، فلايمكن تأسيس الدولة إلا بالقوة والاتحاد والعصبية القبلية ومراعة النسب، والتشبث بالعقيدة. وكلما تقوت العصبية بالعقيدة كانت أكثر قوة وهيمنة وشكيمة. ولايتحقق هذا إلا لسكان البادية الذين يعيشون على شضف العيش، وبؤس الحياة، ووعورة الطبيعة، فتتقوى أبدانهم، وتتحد كلمتهم، فيغيرون على أهل المدن، فينتزعون منهم حكمهم وملكهم وسلطتهم. ثم، تتهاوى عصبيتهم، وتتفرق مع الزمان، ثم يميلون بدورهم إلى حياة البذخ والمجد والرفاهية، فتضمحلل مملكتهم لتكون من نصيب متوحشي الوبر وفرسانه. وهكذا، دواليك. ويعني هذا أن الدولة تسير بمراحل معينة مثل مراحل الإنسان. فهناك مرحلة النشأة والطفولة، ومرحلة الشباب والقوة والمجد والازدهار، ومرحلة الشيخوخة والانهيار والاضمحلال، فمرحلة الموت والاندثار. وهذه نظرية تاريخية وسوسيولوجية في مجال العمران البشري، استنبطها ابن خلدون من تاريخ الدول الإسلامية في العصر الوسيط. وهي بمثابة قوانين اجتماعية وتاريخية تتحكم في تطور الدول ودورانها. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"اعلم أن كل حي أوبطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضًا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحامًا من النسب العام لهم مثل عشير واحد أوأهل"

(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت