وشكثهم وشاراتهم يوم الزينة فيباهي بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم بانون لعزهم موضحون الطرق لمن بعدهم. طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعًا بما بنى أولوه سلمًا لأنظاره من الملوك وأقتاله مقلدًا للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذوالنعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده. الطور الخامس طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفًا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها ولا يعرفون ما يأتون منها يذرون منها مستفسدًا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته مضيعًا من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواته وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده فيكون مخربًا لما كان سلفه يؤسسون وهادمًا لما كانوا يبنون وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض كما نبينه في الأحوال التي نسردها والله خير الوارثين." [1] "
وفي هذا السياق أيضا، يقول علي عبد الواحد وافي:"وأما طريقة عرضه في المقدمة لما انتهت إليه بحوثه فتشبه من وجوه كثيرة الطريقة التي يسير عليها المحدثون من علماء الهندسة في عرض نظرياتهم. فهويعنون كل فقرة في بحثه بقانون أوفكرة من القوانين أوالأفكار التي انتهى إليها كما يفعل علماء الهندسة المحدثون، إذ يجعلون نص النظرية"
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 140 - 141.