من هذا وغيره نرى الفرق بين معنى الزكاة وأحكامها وبين مفهوم الضريبة المعاصر، كما أن ما ينطبق على الزكاة ينطبق في الغالب على سائر موارد بيت المال الآنفة الذكر، فالجزية مثلًا منصوص عليها في كتاب الله تعالى كما مر سالفًا، وكذا الفيء والعشور على اعتبار أنهما فيء للمسلمين يدخلان تحت آية الفيء قال تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير، ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسوقل ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم .. ) [1] ، وكذا خمس الغنائم مقداره وسنده محدد بنص القرآن الكريم بقوله تعالى: (اعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول) [2]
وهذا الأساس يختلف قطعًا عن الأساس القانوني لفرض الضريبة والتي أساسها إما النظرية التعاقدية التي ألتزمت بموجبها الدولة أن تقدم للأفراد خدمة الأمن بكافة أشكالها والتزم الأفراد بمقتضاه أن يدفعوا للدولة الضريبة مقابل ما يحصلون عليه من منافع، وأما نظرية السيادة والتي تعني أن الضريبة عمل من أعمال السيادة وهذا الاتجاه يستند إلى فكرة التضامن المالي، إذ الأفراد ملتزمون بناء عليه بدفع الضرائب للدولة حتى تستطيع النهوض بأعبائها، ومما يجدر ذكره أن معظم هذه الموارد قد انتهى وجودها في هذا العصر كمورد ثابت من موارد الدولة الإسلامية فالزكاة مثلًا أصبحت في معظم الدول الإسلامية موكول أمرها إلى من يملك النصاب فإن شاء أداها، وإن شاء منعها ولا تتدخل الدولة في إلزامه بدفعها ولا تحصيلها، وإنما يرجع ذلك إلى مدى إيمان المسلم بربه.
وأما الخمس من الغنائم فما عاد له ذكر إذ أن هذه الأمة تركت الجهاد ورفعت رايات السلام والتسليم وفقدت هيبتها في ميادين القتال، وتداعت عليها الأمم كما جاء في الحديث النبوي"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله فمن قلة يومئذ، قال: لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينتزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت" [3]
(1) - الحشر الاية 6 - 7
(2) - الانفال الاية 41
(3) - مسند أحمد، 5/ 278، رواه أبو داود في الملاحم، 5.