المطلب الرابع
شروط جباة الضرائب
لا شك أن التعامل مع المال فيه من الخطورة والفتنة الشيء الكبير، وذلك لتعلق الناس به، وميلهم إليه، ورغبتهم في تحصيله وجمعه، واقتنائه، وصدق الله العظيم إذ يقول: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث) [1] ، وقال سبحانه: (وتحبون المال حبًا جمًا) .
لهذا فإن من يتولى شؤون المال، جمعه أو إنفاقه، لابد أن يكون من أهل الصلاح والتقوى، أمينًا على أموال الناس، زاهدًا فيما عندهم، قويًا في دينه، له من الكفاءة والأخلاق ما يميزه عن غيره، وهذا ما أشار إليه الإمام أبو يوسف رحمه الله، إذ يقول في كتابه الخراج:"أما العشور فرأيت أن تُوليها قومًا من أهل الصلاح والدين، وتأمرهم أن لا يتعدوا على الناس فيما يعاملونهم به، فلا يظلمونهم به، ولا يأخذوا منهم أكثر مما يجب عليهم، وأن يمتثلوا ما رسمناه لهم، ثم تتفقد بعد ذلك أمرهم، وما يعاملون به من يمر عليهم، وهل تجاوزا ما أمروا به؟ فإذا كانوا قد فعلوا ذلك عزلت وعاقبت، وأخذت بما يصح عند عليهم لمظلوم، أو مأخوذ منه مما يجب عليه، وإن كانوا قد انتهوا إلى ما أمرتهم، وتجنبوا ظلم المسلم والمعاهد، أثبتهم على ذلك الأمر، وأحسنت إليهم، فإنك متى أثبت على حسن السير والأمانة، وعاقبت على الظلم والتعدي لما تأمر به في الرعية، يزيد المحسن في إحسانه، ويرتدع الظالم عن معاودة الظلم والتعدي."
وأخيرًا: نظرة في الواقع:
إننا إذا نظرنا إلى واقع الأمة هذه الأيام نجد أنها تعاني في كثير من دولنا العربية والإسلامية مما وظف عليها من ضرائب على التجارات المحلية والخارجية، والمعاملات التي يقدمها المواطن للدولة لنيل حقوقه ومصالحه، وعلى العقارات، والخدمات الصحية، والتعليمية وحتى المرتبات الشهرية لم تسلم.
ومع تقديرنا لما يقع على عاتق الدولة من مسئوليات وحاجتها إلى فرض ضرائب تستعين بها على تقديم الخدمات العامة وتحقيق المصالح إلا أن هذه الضرائب المتعددة والمتنوعة بعضها لا نجد له مبررًا من الوجهة الشرعية، ولذا فإن هذا الكم
(1) سورة الفجر الاية 20