وقال المناوي عند شرحه للحديث: يعني ليس فيه حق سوى الزكاة بطريق الأصالة، وقد يعرض ما يوجب فيه حقًا كوجود مضطر، فلا تناقض بينه وبين الخبر"إن في المال لحقًا سوى الزكاة"لما تقرر أن ذلك ناظر إلى الأصل، وذا ناظر إلى العوارض، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز الاحتجاج على منع توظيف المال على الأغنياء بحديث"ليس في المال حق سوى الزكاة"، بدعوى أن المسلم إذا أدى ما عليه من زكاة قد ثبت أن هناك حقوقًا أخرى في المال سوى الزكاة منها النفقة على الوالدين والولد والزوجة وعلى الرقيق والحيوان، ومنها الديون والأروش وقرى الضيف، وصلة الرحم.
3 -ناهيك عما في الحديث من ضعف ذكره نقاد الحديث فقالوا حديث ضعيف جدًا ومردود بلا شك بل خطأ وتحريف. [1]
-أما بخصوص وجوب احترام الملكية الشخصية:
فإن احترام الإسلام للملكية الفردية لا ينافي تعلق الحقوق بالمال، وكما سبق أن أشرنا في الأدلة العقلية على جواز فرض الضريبة فإن للجماعة حقًا في مال الفرد لأنه لم يكسب ماله إلا بها، وهي التي أسهمت في تكوين ثروته، فإذا كان في الدولة الإسلامية محتاجون لم تكفهم الزكاة، أو كانت المصلحة العامة تتطلب مالًا لسد الثغور مثلًا، أو بناء مرفق عام ينتفع به الناس، أن كان دين الله وتبليغ دعوته يحتاج إلى مال لإقامة ذلك، فإن الواجب الذي يحتمه الإسلام أن تفرض في أموال الأغنياء ما يحقق هذه الأمور، وما دام تحقيق ذلك منوطًا بأولي الأمر، ولا مال إلا بفرض الضريبة فإن له الحق في ذلك، لأن القاعدة الشرعية تقول:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
ج- قولهم بحرمة المكس:
إن المكس الذي يدعون غير الضريبة الشرعية وإن الأحاديث الواردة في ذم المكس أكثرها لم تثبت صحتها، وإن كلمة المكس لا يراد بها معنى واحد محدد لغة أو شرعًا، فهو يأتي يمعنى: ما يأخذه العشار، والضريبة التي يأخذها الماكس وأصله الجباية، ويأتي بمعنى النقص، والمكس: انتقاص الثمن في البياعة وما يأخذ الماكس ممن يدخلون البلد من التجار [2] .
(1) - الحديث رواه ابن ماجة في السنن، رقم 1789. قال فيه النووي في المجموع أنه حديث ضعيف جدًا لا يعرف، 5/ 332، وقبله قال البيهقي في الحديث يرويه أصحابنا في التعاليق، ولست أحفظ فيه إسنادًا السنن، 4/ 84. واعترض الحافظ العراقي عليه برواية ابن ماجة له في سننه بهذا اللفظ، وذكر ابنه الحافظ أبو زرعة أنه عند ابن ماجة بلفظ في المال حق سوى الزكاة كما هو عند الترمذي، وفي بعض نسخ ابن ماجة ليس في المال حق سوى الزكاة طرح التثريب شرح التقريب، 4/ 18. ومعنى هذا: أن ليس زيدت في الحديث عن طريق النسخ وشاع الخطأ بعد.
(2) - ابن منظور، لسان العرب، مادة م. ك. س. المعجم الوجيز، ص 587.