وعلى هذا يحمل صاحب المكس على الموظف العامل الذي يجبي الزكاة فيظلم في عمله، ويتعدى على أرباب الأموال فيأخذ منهم ما ليس من حقه. أو يقل من المال الذي جمعه مما هو حق للفقراء وسائر المستحقين، وقد يدل لذلك ما جاء عن بعض الرواة من تفسير العاشر بالذي يأخذ الصدقة على غير حقها، كما أن أبا داود أخرج الحديث في باب السعاية على الصدقة.
وهناك محمل آخر لكلمة المكس لعله هو الظاهر، والمراد بها الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم يوم ظهور الإسلام وتؤخذ بغير حق، وتنفق بغير حق، ولم تكن تنفق على مصالح الشعوب، بل في مصالح الملوك والرؤساء وشهواتهم، وأتباعهم، ولم تكن تؤخذ من الناس حسب قدراتهم على الدفع، فكثيرًا ما أعفى الغني محاباة، وأرهق الفقر عدوانًا، قال في التبيين من كتب الحنفية، وما ورد من ذم العشار محمول على من يأخذ أموال الناس ظلمًا كما يفعله الظلمة اليوم.
فهذا النوع من الضرائب هو أولى أن يطلق عليه اسم المكس الذي جاء فيه الوعد والوعيد، أما الضرائب التي تفرض من قبل الحاكم العادل، وبالشروط التي يجب أن تتوافر بها كما سنبين إن شاء الله تعالى وعلى أساس المصلحة والعدالة، لتغطي نفقات الميزانية وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات، وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وغيرها، فإن مثل هذه الضرائب لمثل هذه الغايات وما شابهها، لا يشك ذو بصر في الإسلام أنها جائزة بل قد تكون واجبة، وللحكومة الإسلامية الحق في فرضها وأخذها من الرعية حسب المصلحة وبقدر الحاجة.
ثانيًا: مناقشة آراء المجيزين:
أعتمد المجيزون في آرائهم على الكتاب والسنة النبوية والآثار التي وردت عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم كما احتجوا لذلك بالمعقول وما تهدي إليه القواعد الشرعية والمبادئ العامة القائمة على المصلحة العامة كما أسلفنا.
وإليك مناقشة هذه الحجج والرد عليها:
أما استدلالهم بآية البر وهي قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... ) فقالوا إن فيها دلالة واضحة على أن في المال حقًا سوى الزكاة، لأن الله تعالى نص على إيتاء المال لذوي القربى ... ثم عطف قيام الصلاة وإيتاء الزكاة على ما سبق، فإن في ذلك دلالة على أن في المال حقًا سوى الزكاة، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه في