الصفحة 50 من 61

اولا: أن تكون حاجة الدولة للمال حاجة حقيقية وضرورية لا وهمية أو ظنية:

وذلك بأن تكون الدولة بحاجة حقيقية للمال، بحيث لا تكون هناك موارد أخرى تستطيع الدولة بها أن تحقق أهدافها، وتؤدي الخدمات للأمة دون فرض الضرائب على الناس، وإن كان عندها من الأموال أو الموارد ما يغطي نفقاتها، أو بإمكانها تدبير شؤون أمرها بطريق غير فرض الضرائب كتخفيض النفقات وترشيد المصروفات للمؤسسات مثلًا فلا يجوز فرضها حينئذ.

وقد تشدد علماء المسلمين وأصحاب الفتوى في هذا الشرط، حيث اشترطوا أن يخلو بيت المال من المال خلوًا تامًا، أو أن الذي فيه لا يكفي لمواجهة ما طرأ على الدولة ولمصلحتها كلها. وما صنعوا ذلك إلا خشية إسراف الحكام في طلب الأموال لحاجة أو لغير حاجة، وإرهاق الرعية بما لا يحتمل من الضرائب المالية.

ويَرْوي لنا التاريخ أمثلة على ذلك من فتاوى أفتى فيها أصحابها لمصلحة الرعية، وضد ترف الحكام، ومن ذلك ما قدمنا ن موقف العالم الجليل العز بن عبد السلام عندما استفتاه الملك المظفر قطز لجمع المال من الناس لحرب التتار، ورأينا كيف كانت فتواه متشددة مراعاة لمصلحة الأمة.

وتكرر هذا الموقف مع الإمام النووي رحمه الله عندما طلب منه الظاهر بيبرس أن يوقع مع العلماء على فتوى بجواز فرض الضرائب على الناس لتجهيز الجيش والإنفاق على المقاتلين، وكان علماء الشام قد وقعوا له على ذلك، فامتنع الإمام النووي رحمه الله عن التوقيع، وسأله الملك الظاهر عن سبب امتناعه، فقال الشيخ النووي: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير زبندقدارس وليس لك مال، ثم منّ الله عليك، وجعلك ملكًا، وسمعت أن عند ألف مملوك، لكل مملوك حياصته من الذهب، وعند مائتان جارية، لكل جارية حق من الحلي، فإن أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليكك بالبتون [1] والصوف بدلًا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر من كلامه، وقال له: أخرج من بلدي دمشق، فقال: السمع والطاعة، وخرج إلى نوى.

فقال الفقهاء للسلطان: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، ومن يقتدي بهم، فأعده إلى دمشق فأذن الظاهر برجوعه، ولكن الشيخ رفض، وقال: لا أدخلها والظاهر بها. ومات الظاهر بعد شهر.

(1) - ألبت: كساء غليظ من صوف أو وبر. انظر المعجم الوجيز، ص 43 1980.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت