وقد ورد مبدأ عموم القاعدة الشرعية في الصيغ الدالة عليها؛ مِن مِثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، وقد تَأكَّد معنى عموم تطبيق القاعدة الشرعية بقوله صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها الناس، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ترَكوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ) [1] .
ولهذا يقول العلماء: إن الشريعة بِحسَب المكلَّفين كليةٌ عامة [2] .
16 -ب - تنظيم سلوك الأفراد في المجتمع: الإنسان مدني بالطبع، فلا يمكنه أن يعيش إلا في جماعة، ولكي تستقر هذه الجماعة ويأمن كل فرد فيها على نفسه وأهله وعِرضه وماله؛ دعت الضرورة إلى وجود قواعدَ تنظِّم سلوك الأفراد في علاقاتهم بعضهم ببعض، وعلاقاتهم مع السلطة المهيمنة على الجماعة، وعلاقة الجماعة بغيرها من الجماعات [3] .
وقد تنبَّه العلماء الإسلاميون إلى الطبيعة المدنية للإنسان، والحاجة إلى وجود وازع شرعي لتنظيم سلوك الأفراد فيما بينهم، تجد ذلك في كتاب الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي، وفي كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي، وفي مقدمة ابن خَلدون، وفي مقدمة مجلة الأحكام العدلية [4] .
وتَقتصر القاعدة القانونية على تنظيم السلوك الخارجي للأفراد، فلا تُعنى بالنَّوايا إلا إذا اتصلت بسلوكهم الخارجي؛ وذلك لتكييف التصرفات الصادرة عنهم [5] .
وكذلك القاعدة الشرعية المتعلقة بالمعاملات؛ فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثَت به أنفُسَها، ما لم تعمل أو تتكلم ) ) [6] ، وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع خصومة بباب حُجرته فخرج إليهم، فقال: (( إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخَصْم، فلعل
(1) الحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة، سبل السلام، القاهرة: 1344 هـ / 1926، ج 4 ص 20.
(2) الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مصر: 1341 جـ 2 ص 244.
(3) إبراهيم أبو الليل ومحمد الألفي، المرجع المتقدم، ص 13.
(4) سمير عالية، المرجع السابق، ص 34 مع الهوامش: 4، 5، 6، 7، 8 , 9.
(5) إبراهيم أبو الليل ومحمد الألفي، نفس الموضع السابق.
(6) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، الكويت: 1397 هـ 1977 م، رقم 79.