بعضَكم أن يكون أبلغَ مِن بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلمٍ فإنما هي قطعة من النار، فلْيَأخُذها أو فليتركها )) [1] .
ولا يَلجأ الشرع إلى النيات إلا لتكييف التصرف الصادر عن الشخص؛ نجد ذلك في صِيَغ الطلاق، وفي أنواع القتل، وفي مجال تفسير العقود ونحو ذلك، أما إذا كانت القاعدة الشرعية تتعلق بالعبادات، فالأصل فيها الاعتمادُ على النِّية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرِئٍ ما نوى ) ) [2] .
17 -الإلزام والجزاء: احترام القاعدة القانونية لا يَتأتَّى عن طريق النصح أو التوعية فقط، بل ينبغي أن يصاحب ذلك جزاء مادِّي حالٌّ توقعُه السلطة العامة على كلِّ من يخالف أحكام القانون [3] .
وينطبق نفس المعنى على القاعدة الشرعية؛ إذ يصاحبها جزاء مادي حالٌّ توقعه السلطة العامة على المخالفين، وقد أُثِر عن عثمان بن عفان قوله: إنَّ الله يزَعُ بالسلطان ما لا يزَع بالقرآن، ومع ذلك: فإن القاعدة الشرعية تتَّصل بضمير المسلم، ويعتقد بسموِّ مصدرها، ويعلم أنه إن أفلَت من الجزاء الدنيوي فلن يكون بمنجًى من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وهذا من دواعي احترام القاعدة الشرعية، ووضعها موضعَ التنفيذ والتطبيق بنفس راضية مطمئنَّة.
18 -من حيث الموضوع: تختلف القواعد القانونية تبعًا لاختلاف طبيعة ونوع العلاقة التي تنظِّمها، فإذا كانت العلاقة القانونية تَحكم وتُنظِّم علاقة الحاكم بالمحكوم كنا بصدد قاعدة من قواعد القانون العام، أما إذا كانت تَحكم وتُنظم علاقة الفرد بغيره من الأفراد كنَّا بصدد قاعدة من قواعد القانون الخاص، وهذه التفرقة بين القانون العام والقانون الخاصِّ تفرقةٌ قديمة، دعا إليها مبدأ سيادة السلطة العامة في علاقتها بالأفراد؛ لأنها تمثِّل المصالح الجماعية للأمة، وتسعى لتحقيق النظام والاستقرار، أما علاقات الأفراد فيَحكمها مبدأ المساواة والتوازن بين المصالح الخاصة [4] .
ومع أن التفرقة بين القانون العام والقانون الخاص لم تَسلَم من النقد، ولا تعترف بقيمتها بعض النظم القانونية؛ كتشريعات الدول الإنجلوسكسونية، ومع أنها كذلك تفرقةٌ نسبية بُنيَت على أساس غَلبة المصلحة العامة أو المصلحة الخاصة، ومع أنها أخيرًا تفرقة مرنةٌ تتغيَّر - حسب الزمان والمكان - تبعًا لما
(1) نفس المرجع السابق، حديث رقم 1114.
(2) البخاري من حديث عمر بن الخطاب، اللؤلؤ والمرجان، رقم 1245.
(3) إبراهيم أبو الليل ومحمد الألفي، نفس المرجع السابق، ص 14.
(4) إبراهيم أبو الليل ومحمد الألفي، المرجع السابق، ص 26/ 27.