الصفحة 22 من 57

21 -من حيث الصِّياغةُ: يُطلِق الشراح مصطلح الفن التشريعي أو الصياغة القانونية على وضع قواعدَ سهلةِ الفَهم ميسورة التطبيق، تكون متَّفقة مع مقتضَيات العصر الاجتماعية [1] ، سواء كان ذلك عن طريق الحلول التفصيلية أو عن طريق الحلول العامة المجردة؛ وذلك بالاهتداء بما يسمى"السياسة القانونية"التي تبين الأهداف المرادَ تحقيقُها [2] ، ولما كانت القاعدة القانونية هي الوَحدة الأوليَّة التي يتكون منها النظام القانوني؛ فإن الصيغة هي أنه:"إذا حدَث كذا وجب أن يكون الحكمُ كذا".

ومن هنا ساغ القولُ: إن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: أولهما: هو الواقعة الأصلية أو الفرض أو شروط التطبيق"Conditions d'application"والعنصر الثاني: هو الحكم أو الحل أو المنطوق"dispositif".

مثال ذلك: القاعدة القانونية التي تقضي بأنه"إذا عَدَل مَن دفع العربون فقَدَه"؛ إذ يعتبر العدول عن العقد من جانب المتعاقد الذي دفَع العربون هو الواقعة الأصلية أو الفرض، ويعتبر فقْدُ العربون هو الحكم الذي يرتِّبه القانون على عدول دافع العربون عن العقد الذي أبرمَه [3] .

وتبدو هذه العناصر واضحة جلية في صياغة القاعدة الشرعية؛ فهي تتسم باليسر وعدم الحرج ورفع المشقة: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وهي تتفق مع مقتضيات كلِّ عصر وبيئة، وقد انفرَد الشرع الإسلامي قرونًا عديدة بحكم شعوب اختلفت أجناسها وألوانها، وألسنتها وبيئاتها، فما قَصُر عن حاجاتها المتغيرة ولا تخلَّف بأهلها؛ بل ارتقى بهم إلى أسمى الدرجات.

والسياسة الشرعية في الإسلام تَعي جيدًا غاياتها وأهدافَها التي تتلخص في تحقيق المصالح المعتبرة للناس كافَّة؛ في مَعاشهم ومعادهم، وكل مسألة خرجَت من العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبَث - فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل [4] .

والقاعدة الشرعية تتكون من عنصرين: الفرض، والحكم؛ مثال ذلك:"إذا اجتمع المباشر والمتسبِّب يُضاف الحكم إلى المباشر" [5] ، فالفرض: اجتماع المباشر للفعل والمتسبِّبِ له؛ كأن يدلَّ شخصٌ سارقًا

(1) عبدالحي حجازي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، 1 - القانون، الكويت: 1972، ص 404.

(2) نفس المرجع السابق، ص 404 - 406.

(3) عبدالحي حجازي، نفس المرجع، ص 89/ 90.

(4) ابن القيم، إعلام الموقعين، جـ 3 ص 1 وما بعدها.

(5) الخادمي، مجامع الحقائق، المطبعة العامرة: 1288 هـ، ص 44 وما بعدها، القرافي، الفروق، جـ 4 ص 28، الزركشي، المنشور، جـ 1 ص 133 وما بعدها، مجلة الأحكام العدلية، المادة رقم 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت