الصفحة 27 من 57

26 -الرأي المختار: لم يعد لنَقْد التقنين محلٌّ إزاء تشابك المشكلات اليومية وتعدُّدها وتعقُّدها، حتى أصبح"التخصص الدقيق"إحدى سمات العصر، مما زادت معه الحاجةُ إلى تجميع القواعد المتعلقة بفرعٍ من فروع القانون في مدونة واحدة، تيسِّر على الباحث معرفةَ ما له وما عليه، سواء أكان فَقهيًا أم قاضيًا، أم كان دارسًا أم كان من عامَّة الناس.

أما مسألة جمود القاعدة القانونية وعدم مُسايرتها للتطور الاجتماعي، وإيقاف حركة الاجتهاد، فتلك مسألة تتعلَّق بالوعي العامِّ في الجماعة، وبالفكر المستنير لدى الهيئة التشريعية، بذلك يَسير القانون - مدوَّنًا كان أو غير مدوَّن - بسَير المجتمع، ويتطور بتطوره، ويلبي متطلبات العصر وحاجات الأفراد [1] .

فالتقنين ليس تسجيلًا لقواعد شرعية/ قانونية ثابتة لا تتغير، وإنما هو ترتيب القواعد المتعلقة بفرعٍ من فروع القانون، وإزالة ما بينها من تناقض، ومحوُ المتكرِّر منها؛ وذلك لتسهيل البحث عن الأحكام لمن يحتاج إلى معرفتها، ومن ثم لا يجوز النظر إلى التقنين على أنه عمل كامل دائم، إنه عمل يعتريه النقص [2] ، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان [3] ؛ ولذا جاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني:"نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يَقبل الحصر والعدَّ، ونعلم قطعًا أيضًا أنه لم يَرِد في كل حادثة نصٌّ ولا يُتصوَّر ذلك أيضًا، والنصوص إذا كانت متناهيةً والوقائع غيرَ متناهية، وما لا يَتناهى لا يَضبطه ما يَتناهى، عُلم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجبَا الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".

27 -ولهذا واجهت التقنيناتُ الحديثة مشكلةَ النقص في التشريع، وتنوَّعَت الطرق التي يجب على القاضي اتباعُها إزاء سدِّ النقص في التشريع بتنوُّع وجهات النظر ما بين سلطة تشريعية وأخرى:

أ- فالقانون المدني السويسري ينصُّ في الفقرة الثانية من المادة الأولى على أنه:

"في حالة عدم وجود نصٍّ يمكن تطبيقُه يَحكم القاضي وفقًا للعُرف، وفي حالة عدم وجود عُرف فإنه يَحكم وفقًا للقواعد التي كان لِيَضعَها لو كان عليه أن يقوم بعملٍ من أعمال المشرِّع، وهو يستهدي في ذلك بالحلول التي يقرِّرها الفقه والقضاء".

ب- وينص القانون المدني المصري في الفقرة الثانية من المادة الأولى على أنه:

(1) إبراهيم أبو الليل ومحمد الألفي، المرجع السابق، ص 87.

(2) عبدالحي حجازي، المرجع السابق، ص 437.

(3) ابن القيم، إعلام الموقعين، جـ 3 ص 1 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت