الصفحة 15 من 81

حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أمّ سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن» [1] .

عاشت الرميصاء أيام النبيّ فوفت بما عاهدته عليه، وتوفي عنها وهو عنها راض، بل بشرها قبل أن يمضي بالجنة كما في البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُنِى دَخَلْتُ الْجَنّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ وَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلاَلٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ» . فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ [2] .

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً - يعني صوت حركة المشي - فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ» [3] .

وعاشت رضي الله عنها أيام الخير عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ثمّ توفيت في حدود الأربعين أيام معاوية رضي الله عنه.

لله درّ أنس بن مالك وأمّه!

كلما مرّ بي ذكره شيئًا يخصّ النبيّ تعجّبت كيف كان ذلكم الغلام يضبط نفسه في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟

ثم أجدني أجيب في بساطة وسهولة: إن الذي اختاره لهذا المقام قد هيّأه له!

ثمّ أعود فأتساءل: ترى بأيّ عمل عمله أو خير قدّمه نال أنس هذه المنزلة وفاز بهذه الحظوة؟

وأجدني ثانية أقول: لعل ذلك ليس جزاء عمله هو، ربما كان جزاء أمّه الرّميصاء فأياديها البيضاء في الإسلام لا تعدّ ولا تحصى.

مرّ بي الآن قول أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدر النبي صلى الله عليه وسلم [4] -يقصد حادثة شق الصدر-، فهيّج كلامه المشاعر واستفاضت الأسئلة والأجوبة.

(1) أخرجه مسلم (1809) .

(2) أخرجه أحمد (3/ 372) ، والبخارى (3476) ، ومسلم (2394) .

(3) أخرجه عبد بن حميد (1346) ، ومسلم (2456) ، وأحمد (12278) .

(4) أخرجه مسلم (261) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت