(7) أمّ أمير المؤمنين في الحديث
محمد بن إسماعيل البخاري رحمهم الله
الإمام محمد بن إسماعيل البخاري هو إمام الدنيا، وأمير المؤمنين في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب أصحّ كتاب في السنّة على وجه الدنيا منذ أن كتبت وسيظلّ كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فمن تلكم الأم التي ولدت هذا العظيم؟ لا ريب أنّ هذه المناقب الكبيرة التي أوتيها الابن فيها شيء من الشبه إلى أبيه وأمّه، أو برزت نتيجة بعض الجهد منهما، أو لهما من الأثارة في الدين والفضل ما أهّلهما لأن يكون البخاري ابنًا لهما وأن يكونا هما أبويه.
وكذلك كان الواقع والحقيقة، فالبيت الذي ولد فيه البخاري كان بيت علم وفضل وتربية.
كان إسماعيل - والده - من العلماء المحدّثين، اشتغل بالحديث ورحل إلى البلدان في طلبه وأثرت له رواية عن مالك بن أنس وحماد بن زيد، كما رأى عبد الله بن المبارك وصافحه بكلتا يديه، فعن إسحاق بن أحمد بن خلف، أنه سمع البخاري يقول: سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه [1] .
وكان إسماعيل من المعروفين بحسن السمت والعمل بالورع، وكان يعمل في التجارة واستعمل فيها علمه وورعه فخلص ماله وطاب.
لم تطل الحياة بإسماعيل مع ابنه محمد إذ فارق الحياة ولولده بضع سنين، ولما كان على فراش الموت دعا ابنه البخاري فقال له:"لقد تركت لك ألف ألف درهم، لا أعلم منها درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة" [2] ، ولنا أن نتخيّل العلم الذي حصّله إسماعيل والد البخاري ليؤكّد هذا التأكيد، لا على أنه لم يدخل ماله درهم حرام فحسب، بل على أنه لم يدخله درهم فيه شبهة!
وحريّ بنا أيضًا أن نستلهم هذه المقولة ونتعرّف على أهميتها في ضمن أسباب تفوّق البخاري رحمه الله تعالى، فالمال الحلال الصافي يصنع المعجزات في الأبدان والأنفس على السواء.
(1) سير أعلام النبلاء (12/ 392) .
(2) تاريخ الإسلام (18/ 239) .