(4) أمُّ إمام دار الهجرة
مالك بن أنس رحمه الله تعالى
ما هي منزلة العلم، وما هو قدره وفضله؟
وما هو واجب طالب العلم إذا أتاه، وما هي آدابه وخلقه؟
وما الغاية التي يطلبها ذلكم الطالب من أستاذه، وما هو هدفه المنشود من جلوسه بين يدي معلمه؟
تنبئك عن كلّ ذلك أمّ الإمام مالك.
أم مالك، ما أم مالك؟ عجيبة من عجائب الدهر، وفريدة من فرائده، وأنعم بها من فريدة!
إنها خير من يضرب بها المثل في تقدير العلم والمعرفة بمنزلة العلماء وما يجب لهم من التوقير والاحترام وما يجب لطلب العلم من آداب وأخلاق، بل فوق ذلك حين تدرك من يؤخذ عنه العلم ومن يترك، وما العلم الذي يولى الأهميّة فيؤثر على غيره ويقدّم؟
وإذا كان مالك رحمه الله قد أوتي الهمة العالية في طلب العلم والصبر على الأخذ عن العلماء، فإنّ الفضل يعود إلى أمه في اختيار هؤلاء العلماء الذين يقصّرون عليه العمر ويوفّرون له الجهد ويختصرون له الوقت، ويسدّدون له الفهم.
حدّث مالك رحمه الله تعالى عن بعض توجيهات أمّه له في العلم فقال: كانت أمّي تعمّمني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه [1] .
إنه يقصّ علينا في هذه الجملة القصيرة حِكَمًا ويهبُنا دررًا.
فهي - أولًا - توجّهه إلى طلب العلم، وسنّه إذ ذاك صغيرة مبكّرة، وساحات الخير يومئذ كثيرة، تختار الأمّ الذكية الفطنة أن تضع ابنها في حلبة السباق في تحصيل منازل ورثة الأنبياء، وفي ذلك دلالة على أنها تعرف فضل العلم ومنزلة أهله على كل من سواهم.
وهي - ثانيًا - إذ تختار له أن يطلب العلم، لا ترضى بأيٍّ من أبوابه وكفى، بل تختار خيره وأفضله وأعظمه، إنها تختار الفقه، والفقه لبّ العلم، وهذا برهان بعد البرهان الأول على دقة فقهها وحسن فهمها.
ثم هي - ثالثًا - تختار من بين الفقهاء الموجودين يومئذ أفضلهم فضلًا وأعلاهم كعبًا، تختار ربيعة، وربيعة هو ربيعة! إمام، مفتي المدينة، وعالم الوقت [2] .
(1) المدارك (115) .
(2) سير أعلام النبلاء (6/ 89) .