(8) أمُّ أمير المؤمنين
عبد الرحمن الناصر رحمه الله تعالى
في الوقت الذي نفتقد فيه الشواهد والأخبار القولية عن عظمة أمّ عبد الرحمن الناصر، فإنّ الشواهد العملية التطبيقيّة في إثبات ذلك والتنويه به تتزاحم علينا من كلّ مكان، ولا ريب في أن الشهادات العمليّة أصدق قيلًا وأجدى حديثًا؛ فهي تفاعل الواقع وهي حركة الحياة، وأعظم شاهد على عظمة الأمّ هو نتاجها وأثرها الذي يتمثّل في ولدها الذي على عاداتها وأخلاقها ربّته، ومن نبع قلبها وزهرة فؤادها سقته، وعلى عينها صنعته، فقدّمت به للحياة شيئًا مذكورًا، بل قدوة يقتدي بها العالمون ويتأسونها!
وهكذا صنعت أمّ عبد الرحمن الناصر.
وعبد الرحمن هو ابن محمد، ابن الأمير عبد الله أحد أحفاد الأمويين، خلفاء الأندلس الذين حكموا الأندلس بين عامي 136 هـ و 422 هـ، ومن قبلها كانوا خلفاء الدنيا بأسرها، الذين حكموا الأقطار الإسلامية بين عامي 41 هـ و 132 هـ [1] .
وهو سميّ عبد الرحمن الداخل صقر قريش ومؤسس الدولة الأمويّة في الأندلس -وهو حفيده-، سمي به تيمنًا بما حققه من مفاخر وإنجازات لا تكفي الصحائف والدفاتر لسردها وعد آثارها، وقد كان لحفيده هذا نصيبًا كبيرًا ويمنًا عظيمًا بهذا الاسم فسطر هو الآخر خلال حياته المباركة أعمالًا عظيمة ومآثر جليلة، ويكفيه شرفًا أنه مدّ ظلّ الدولة الإسلامية في الأندلس حتى شملت يومئذ أجزاء كبيرة من أهم دول القارة الأوربية؛ فرنسا وسويسرا وإيطاليا، وريض كل أولئك له، ورجفوا لبأسه، وأصبحت الأندلس في عصره مقر خلافة يحتكم إليها عواهل أوروبا وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها، بعدما كانت مجرد ولاية تميد بالفتن، وتشرق بالدماء، فقرت له بأسرها، وسنى لخشيته قلبها وأطرافها.
وذلكم الفضل في العزّ والنصر، والجهاد والظفر، والسياسة والحكم يعود سرّه كلّه إلى أمّ عبد الرحمن، تلك الأمّ التي اعتنت بتربيته بعد ما قتل عمّه أباه، فنشأته على أخلاق الأبطال، واهتمت لمستقبله اهتمامًا يجمع بين عمل الأمّ والأب معًا في قلبٍ واحدٍ، قلبٍ يحمل نفس
(1) انظر: البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب تأليف ابن عذاري، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس تأليف خليل إبراهيم السامرائي وآخرون، ودولة الإسلام في الأندلس تأليف محمد عبد الله عنان.