الصفحة 67 من 81

الأمل الذي جمعهما يومًا في عقد وأسكن نفسيهما في مودة ورحمة، نفس الأمل الذي شعّ بريقه يوم أهلّ عبد الرحمن مولودًا في 22 رمضان 277 هـ، فلم يمض على مولده سوى واحد وعشرين يومًا حتى رحل والده عن الدنيا [1] ، وأراد بريق الأمل ذاك أن ينطفئ فزودته أمّ عبد الرحمن من قوة نفسها وعزم قلبها، واستمرت ترعى وليدها به حتى ترعرع طفلًا، وشبّ صبيًّا ثم رجلًا، ذلك الأمل هو الذي كان يحمل أم عبد الرحمن ولا يضعها حتى حققت ما أمّلته.

كانت أمّ عبد الرحمن جارية، ملك يمين، ولم تكن حرّة، سبيت أثناء حروب الأندلس في أوروبا، وكانت تسمى مزنة، فنكحها محمد وأولدها عبد الرحمن، وبهذا صارت أم ولده، وأصبحت بولادة هذا الولد حرّة، أعتقها ولدها [2] .

ولم يكن أمر الرق ذاك ليقعد بهمة"مزنة"أم عبد الرحمن عن طلب المعالي، وكم في الأولين لها من قدوة وأسوة تتخذ منهنّ رفعة لهمتها وشحذًا لعزمها على ما تصبو إليه، ويكفيها أن تنظر في سماء التاريخ فترى نجمة متلألئة تبدو واضحة للأولين والآخرين تلكم هي هاجرُ زوج نبي الله إبراهيم وأم نبي الله إسماعيل وجدّة خاتم النبيين محمّد صلى الله عليه وسلم، فقد كانت هاجر جاريةً تزوَّجها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أهدته إياها زوجُه سارة، لينجب منها الولد فولدت له إسماعيل، ثم إنّ سارة ولدت هي الأخرى إسحاق [3] ، وأيضًا غير هاجر كثيرات، كمارية القبطية أمّ ولد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ولدت له إبراهيم، وكان لعمر بن الخطاب أمهات أولاد، وكذلك لعلي بن أبي طالب، ولكثير من الصحابة رضي الله عنهم، وكان علي زين العابدين بن الحسين، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، من أمهات الأولاد، وروي أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمّهات الأولاد حتى ولد هؤلاء الثلاثة من أمهات الأولاد، فرغب الناس فيهن [4] .

لقد كان لأمّ عبد الرحمن تلك عزيمة لا يفلّها الحديد، وبعزيمتها تلك استطاعت أن تصل ولدها بسلم الأمجاد وأن تسلكه في سلك العظماء حينما ربته صغيرًا على حب الجهاد وورثته

(1) دولة الإسلام في الأندلس (1/ 373) .

(2) انظر أحكام"أمّ الولد"في الموسوعة الفقهية الكويتية (4/ 164 - 169) .

(3) انظر تفصيل ذلك من حديث أبي هريرة في أحمد (9230) ، والبخارى (4796) ، ومسلم (2371) ، وحديث ابن عباس في البخاري (3185) .

(4) المغني (9/ 527، 528) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت