الصفحة 68 من 81

مؤهّلات القيادة، وقد كان بين يديها ميراث عظيم من تاريخ آبائه وأجداده تحثه على تمثله وتؤزه على الاقتداء به، وبالفعل سار عبد الرحمن على نهج آبائه العظام، لا سيما عبد الرحمن الداخل، وحينما ولي الخلافة في الأندلس - وكان ثامن حكامها وأول من لقب بأمير المؤمنين منهم- كانت ولايته كلها جهادًا في سبيل الله، لا يمل الغزو، واستمر على ذلك مدة ولايته التي كانت خمسين سنة، لم يعرف خلالها طعمًا للسكون، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:"لم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العوج، ومهد البلاد، ووضع العدل، وكثر الأمن، ولم تزل كلمته نافذة" [1] .

وكانت شخصيّة عبد الرحمن تجمع بين شخصية القائد العسكري المحنك والسياسي الداهية ورجل الدولة والإدارة اللبيب، وهي الصفات التي لم يسبق أن اجتمعت في حاكم للأندلس منذ عهد جده الأمير عبد الرحمن الداخل [2] .

هذا بعض صنيع عبد الرحمن وكلّ صنائعه رحمه الله مشرّفة، وجميع ذلك شواهد عمليّة على عظمة تلك الأمّ التي ربّته.

كانت أمّ عبد الرحمن مسيحيّة - وتشير الروايات الأجنبية إليها باسم ماريا -، ولا يبعد مع هذه المآثر جميعها أن تكون أسلمت، سيما وهي زوجة أمير ابن أمير ووالدة أمير المؤمنين، فلئن حدث ذلك فأمرها -كما رأيناه- عجيب، وإن لم تكن أسلمت فإنّ أمرها أعجب!

وكان"أبوه"محمّد أكبر أبناء والده الأمير عبد الله، وقد كتب له أبوه بولاية العهد من بعده، الأمر الذي حمل أخاه المُطرّف على حسده، فوشى المطرف بأخيه أبي عبد الرحمن عند أبيه وكانت وشايته تحمل إتهامة بالتواطؤ مع زعيم المتمردين على عرش الإمارة عمر بن حفصون، فأمر الأمير عبد الله باحتجازه في القصر، ولما ثبتت براءته أمر بإطلاق سراحه، لكنه شغل عن متابعة تنفيذ ذلك بالخروج في حملة، وكان قد استخلف المطرف حين خروجه فبادر المطرّف إلى محمد في سجنه وأثخنه طعانًا حتى مات [3] .

وقد عاون أمّ عبد الرحمن في تربيته بعد مقتل أبيه جدُّه عبد الله فقد كفله وأسكنه في قصره، فنشأ مقرّبًا إلى جدّه الذي آثره وأولاه عنايته، وعني بتربيته وتعليمه، فتعلم القرآن والسنة، كما درس الشعر والتاريخ والنحو، وعلّمه فنون الحرب والفروسية، وكان محلّ ثقة جدّه،

(1) سير أعلام النبلاء (8/ 267) .

(2) البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب (2/ 157) .

(3) دولة الإسلام في الأندلس (1/ 348) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت