الصفحة 70 من 81

(9) أمّ شيخ الإسلام

أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله

يقيني أنّ المرحلة التي نعيشها هذه ستحذف من تاريخ أمتنا ولن تسجّل فيه، ذلك لأنها مرحلة شاذّة ليس لها فيما مرّ من أدوارها مثيل، أمّا أمتنا فهي في كلّ وقت تفي فيه لدينها أمّة ذات عطاء مدرار، على المستوى الجمعي والفردي.

وأحيانًا تُبهر أمتُنا متابعيها بحجم عطائها حتى ليُخيّل إلى من يرقبه أنّه كنزٌ مدّخرٌ أو عطاءٌ من نوع خاص، وهو كذلك فعلًا حين يريد الله تجديد الدين في قلوب أبنائها فيمنّ عليها بمن يضع فيه الأهليّة لذلك، ويضع فيمن حوله القدرة على صناعته وتأهيله.

محور حديثنا في هذه السطور شخصيّة ساهمت في صناعة إمام مجتهد مجدّد شاء الله له أن يحمل راية الدّين في القرن السابع الهجري في نواحٍ كثيرة، ليست علميّة فحسب، بل علميّة وعمليّة تثبت مدى حاجة المسلمين في هذا القرن إلى ظهور هذا الإمام الذي كان لا بد من ظهور مثله؛ لإعادة استثارة العالم من جديد إلى دين الله بعد أن غطّاه ظلام البعد عنه.

احتل ابن تيمية رحمه الله في العلوم الشرعيّة مكانة عظيمة سوّغت - بحق - لعارفي قدره من الذين عاصروه أو جاءوا بعده تلقيبه بلقب «شيخ الإسلام» - وقد أورد ابن ناصر الدمشقي في كتابه الرد الوافر (87) ترجمة لأكابر العلماء في عصر ابن تيمية وبعد عصره ممن أطلقوا هذا اللقب عليه [1] ، ورأينا جهبذًا من جهابذة العلماء المعاصرين وهو الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله يدرس حياة ابن تيميّة وآثاره بعد دراسته حياة الأئمة الأربعة مباشرة، وقبل أن يدرس غيره من أئمة الإسلام الكبار، ولنطالع كلامه الذي ينوّه فيه إلى أسباب ذلك يقول:"برز إلى الخاطر إمام شغل عصره بفكره ورأيه ومسلكه، فدوى صوته بآرائه في مجتمعه، فتقبلتها عقول واستساغتها، وضاقت عنها أخرى وردتها، وانبرى لمنازلته المخالفون، وشدّ أزره الموافقون، وهو في الجمعين يصول ويجول، ويجادل ويناضل، والعامة من وراء الفريقين قد سيطر عليهم الإعجاب بشخصه وبيانه، وقوة جنانه وحدة لسانه، واعترتهم الدهشة لما يجيء به من آراء يجدّد بها أمر هذه الأمة، ويعيد إليها دينها غضًّا قشيبًا كما ابتدأ."

(1) الرد الوافر على من زعم أن من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، تأليف ابن ناصر الدين الدمشقي، حققه الشيخ زهير الشاويش، ونشره المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى عام 1400 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت