الصفحة 71 من 81

ذلكم الإمام الجريء هو تقي الدين ابن تيمية، صاحب المواقف المشهودة، والرسائل المنضودة، اتجهت لدراسته مستعينًا بالله سبحانه، لأن دراسته دراسة لجيل، وتعرف لقبس من النور أضاء في دياجير الظلام، ولأن آراءه في الفقه والعقائد تعتنقها الآن طائفة من الأمة الإسلامية تأخذ بالشريعة في كل أحكامها وقوانينها، ولأننا نحن المصريين في قوانين الزواج والوصية والوقف قد نهلنا من آرائه، فكثير مما اشتمل عليه القانون رقم 25 لسنة 1929 م مأخوذ من آرائه، مقتبس من اختياراته، وشروط الواقفين والوصايا اقتبست أحكامها في قانوني الوقف والوصية من أقواله.

ثم إنّ دراسة ذلك الإمام الجليل تعطينا صورة لفقيه قد اتصل بالحياة، وتعلق قلبه وعقله وفكره بالكتاب والسنة والهدي النبوي، والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فهو يأتي بفكر سلفي آخذ بأحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية، يعالج به مشاكل الحياة الواقعة بالقسطاس المستقيم، بل يلقي في حقل الحياة العاملة الكادحة المتوثبة بالبذرة الصالحة التي استنبطها من الكتاب والسنة فتنبت الزرع، وتخرج الثمر، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وإنّا وقد اتجهنا إلى دراسة ذلك العالم الكاتب الخطيب المجاهد الذي حمل السيف والسنان، كما حمل القلم والبيان، سنجتهد في دراسة حياته، ومجاوبتها لروح عصره، وتأثيرها فيه، ثم ندرس آراءه كعالم من علماء الكلام وآراءه كفقيه، واجتهاده، والأصول التي تقيد بها، ومقدار الصلة التي تربطه بالفقه الحنبلي" [1] ."

ومناقب ابن تيميّة رحمه الله كثيرة، والنقول حولها موفورة، وشهرته - كما يقول الحافظ ابن رجب: تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره [2] ، وليس غرضنا هنا إلا مجرّد الإشارة، ومن أراد المزيد فعليه ببحور تراجمه، ومظانّها معلومة، وبحسبنا أن يلمح القارئ الكريم شيئًا من رفيع مقامه لنقول:

إنّ ذلك المجد الرّفيع قد شاركت بقوة في تأسيسه أمّ شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمها الله وعظّم مثوبتها، وإن لم تذكر لنا الكتب شيئًا كثيرًا عنها، فإنّ البعض المذكور يخبرنا عما لم يذكر، ومن ذلك الرسائل التي تناوبت بينهما حينما كان في مصر وهي قدّس الله روحها في

(1) ابن تيمية حياته وعصره - آراؤه وفقهه (6، 7) .

(2) الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت