الصفحة 72 من 81

الشام، ومن ذلك أنه كتب إليها مرّة رسالة يعتذر فيها عن إقامته بمصر، لأنه يرى ذلك أمرًا ضروريًّا لتعليم الناس الدّين، فكتب رحمه الله: من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرّ الله عينها بنعمه وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

كتابي إليكم عن نعمٍ من الله عظيمة ومننٍ كريمة وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كلما جاءت في نمو وازدياد وأياديه جلت عن التعداد.

وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لخدمة الدين ولأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم - ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على الإقامة والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخير، فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية.

ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله سبحانه وتعالى، فلا يظن الظانّ أنّا نؤثر على قربكم شيئًا من أمور الدنيا، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثمّ أمور كبار تهم الإسلام والمسلمين نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

والمطلوب كثرة الدعاء بالخير، فإن الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت