ويظهر من الرّسالة: أنّ والده الإمام عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية كان قد توفّي رحمه الله في هذا الوقت، وهو ما تثبته التواريخ، فقد مات عام 682 هـ، أي قبل ذلك الوقت بقريب من خمس وعشرين سنة.
ويظهر منها أيضًا: برّ ابن تيمية البالغ بأمه وحبّه الجمّ لها وإجلاله وإكباره العظيمان لها رضي الله عنهما.
ويظهر منها أيضًا: حسن ظنّ ابن تيمية بأمه وثقته بدقيق فهمها وإخلاص قصدها وإرادتها حتى ليخبر في يقين أنها لا تختار غير مراد الشرع المحبب إلى الرب سبحانه، ويعتمد في بلوغ غرضه على تقرير ذلك وتأكيده لا طلبه والحث عليه.
ويظهر منها أيضًا: أن رسالة ابن تيمية إلى أمه -وإن رقت عبارتها وسهلت لغتها - قد اشتملت على خطاب علمي يخبر فيه ابن تيمية أمه عن أمور علميّة، فهو يتحدث إليها عن شئون تتعلق بالدين وأخرى تتعلق بالدنيا، ويتحدث فيه عن الراجح وغيره، والمصلحة والمفسدة، والعام والخاص، ويذكر الشاهد والغائب، ويذكر أعمق من هذا لو أننا غصنا في تحليل رسالته إلى أبعد من ذلك، وهذا معناه أن أمّه رفع الله درجتها كانت على وعي بهذه الاصطلاحات، ولم لا وهي بين هؤلاء العمالقة: ابن تيمية الأب والجد والحفيد ومعهم جمع من أعمامه وإخوته كانوا يشكلون معهدًا علميًّا لدراسة علوم الدين الحنيف في بيتهم؟ لله هم!
ويظهر من الرّسالة التي أرسلتها أمه ردًّا على رسالته ما يؤكد هذه الدروس التي استظهرناها من رسالته، فإنها رحمها الله تعالى ردّت عليه بالجواب التالي: ولدي الحبيب الرضيّ أحمد ابن تيمية، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، فإنه والله لمثل هذا ربيتك، ولخدمة الإسلام والمسلمين نذرتك، وعلى شرائع الدّين علمتك، ولا تظننَّ يا ولدي أنّ قربك مني أحب إلي من قربك من دينك وخدمتك للإسلام والمسلمين في شتّى الأمصار، بل يا ولدي إنَّ غاية رضائي عليك لا يكون إلا بقدر ما تقدمه لدينك وللمسلمين، وإنّي يا ولدي لن أسألك غدًا أمام الله عن بعدك عني؛ لأنّي أعلم أين وفيم أنت، ولكن يا أحمد سأسألك أمام الله وأحاسبك إن قصّرت في خدمة دين الله وخدمة أتباعه من إخوانك المسلمين!