ثمّ إنّ هذا المال كلّه كان قد رصده الوالد لتعليم أولاده العلم، وقد أنفق المال في هذه السبيل فعلًا، وذلك في رحلات البخاري في البلدان، يسمع حديث رسول الله ويتعلّمه.
هذا هو والد البخاري، وحقيق أن يكون لمثله ابن هذا شأنه.
ومثل هذا سنلحظه في حياة أمّه العظيمة.
نشأ البخاري - إذن - يتيمًا في حجر أمّه، وقد تعهّدت تربيته وتعليمه، فأتم حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين.
ويكأن سنّة الله في العلماء أن ينشأوا أيتامًا، وفي العظماء، بل وفي الأنبياء!
ويروي المؤرخون أمرًا عجيبًا جرى للبخاري رحمه الله وهو طفل صغير، فقد ذكروا أن بصره أصيب وهو صغير فذهبت عيناه، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل - عليه السلام -، فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك.
قال أحمد بن الفضل البلخي -راوي الخبر-: فأصبحنا وقد رد الله عليه بصره [1] .
إيه!
هذه أمّ البخاري، لا جرم منح البخاري العلم والعمل، ورزق الحديث والأدب، لا شكّ في أنّ حادثة كهذه تذهب بلبّ الحازم الحاذق من الرجال، فكيف بامرأة هي أمّه، والأمهات يتفطّر قلب إحداهنّ على ابنها إذا أصابته شجّة في وجهه، فما عساها تفعل إن عميت عيناه وذهب بصره؟ وهو ما يعني أنّه سيقضي حياته بأجمعها على هذه الحال؟
لكن أمّ البخاري - التي استحقّت أن تكون أمّ البخاري - لم تجزع ولم تقنط، وقامت تسأل حاجتها الذي يجيب حوائج السائلين، تضرّعت وابتهلت وبكت ولزمت باب ربّها تطرقه مناجاة ودعاء ونداء، حتى أجاب الله دعاءها وسمع لبكائها، وكأنّما الأم المسكينة أخذتها سنة، أو غلبها النوم لشدة تعبها وإجهادها فنامت، فرأت في منامها البشرى بمعافاة ولدها وردّ الله بصره عليه، لم تره هو معافى ينظر إليها فحسب، وقد كان ذلك كافيًا في البشارة، لكن رأت نبيّ الله وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره، ثمّ يعلّل لها هذا الأمر ويبين لها سبب تلك المنحة الإلهية بقوله:"لكثرة بكائك"، أو قال:"لكثرة دعائك".
(1) طبقات الحنابلة (1/ 274) ، مقدمة فتح الباري (478) .