وذكر الذهبي أيضًا عن أبي زرعة قال: حزرت كتب أحمد يوم مات، فبلغت اثني عشر حملًا وعدلًا ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلب [1] .
وقد كان أحمد رحمه الله بارًّا بأمّه كلّ البر، عارفًا بفضلها، حافظًا لجميلها، ويكفي أن نقرأ ما ذكره ابن الجوزي عن صالح أنه سمع أباه أحمد يقول: خرجت إلى الكوفة فكنت أبيت وتحت رأسي لبنة، فحُممت -أي: أصابتني الحمّى-، فرجعت إلى أمّي ولم أكن استأذنتها [2] .
إنّه ليعتقد - لشدّة برّه بها وحرصه على رضائها- أنّ الحمى أصابته لعدم استئذانه منها، فكأنه لم يحصّل بركتها لمّا خرج، ولهذا عاد أدراجه إليها يستأذنها ويستشفي بدعواتها وصِلتها.
فحسب هذه الأم رحمة الله عليها ذلك الابن البارّ، وذلك الإمام العظيم، وحسبها أنها أهدت إلي دُنيا المؤمنين وعالم الموحدين إمامَ أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، ورضي الله عنها وعن ولدها، وسلام عليهما في الآخرين.
(1) سير أعلام النبلاء (11/ 177) .
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 185) .